القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٠ - المقالة الثانية كلام كلى فى حميات العفونة
وإذا لم تبق في الخلط المحترق بالعفونة حرارة، بطلت الحمّى إلى أن تجتمع مادة أخرى إلى موضع العفونة، وقد بقيت فيها بقية حرارة من العفونة الأولى. وإن لم تبق مادة أو لوجود علة التعفّن من الأول في المادة الأولى، فتشتعل في المادة الثانية على سبيل التعفين، فأمر العفونة، يدور على وجود حرارة مقصرة تعفن وتحلّل وترمّد، وتتعدى إلى المجاور حتى تقطع الحد وتفني المادة، ولا تجد مجاوراً آخر وتبقى بقية حمى تنتظر مادة أخرق تتحلّب إلى موضعها.
وأما إذا كانت العفونة داخل العروق فقد يعرض أن يكون التحلل التام متعذّراً، وأن تدور العفونة لاتصال بعض ما في العروق ببعض فتعفن كل شيء ما يجاورهم تدور المجاور الآخر وأيضاً فإن المحصورة في العروق شديدة المواصلة للقلب، وهذه الحميات التي لها نوائب إقلاع وتفتير، قد يترك نظامها لاختلاف المواد في الكثرة والقلة والغلظ والرقة ولاختلافها في الجنس، بأن ينتقل بعض المواد فيصير من جنس مادة أخرى يخالفها في النوع لا في الكثرة والقلة والغلظ والرقة فقط. وقد يكون من سوء تدبير العليل، أو لضعفه أو لكثرة حسه ونوائب المقلعة تبتدئ في أكثر الأمر بقشعريرة أو برد، أو نافض وتتحلل بالعرق وإنما صارت تبتدئ بالبرد أو بالقشعريرة في الأكثر، أما لسبب برد الخلط، وأما للدغ الخلط للعضل بحدتهَ، وأما لغور الحرارة إلى الباطن متجهة نحو المادة، وأما لضعف القوة، وأما لبرد الهواء والذي يكون من لذع الحرارة فهو أولى بأن ينسب إلى القشعريرة منه إلى البرد.
وأكثر ما يعرض منه أن يكون كنخس الأبر في كل عضو، وأما تحلل المادة بالعرق، فإن الحرارة المعفنة تحلل الرطوبة وتبقى الرمادية، وإذا كانت تلك الرطوبة غير محصورة في العروق، سهل اندفاعها في المسام عرقاً ونوائب اللازمة التي لا تفتر ولا تقلع لا تبتدئ ببرد إلا لضعف القوهَ، أو لغور الحرارة الغريزية، فتبرد الأطراف وذلك علامة رديئة.
وقد يتركب في بعض الحميات برد وقشعريرة معاً، لأن المادة التي تعفن تكون مركبة من بارد ومن لاذع، وقد تتركب بعض حميات العفونة تركيباً تصير في هيئة اللازمة وذلك مثلًا إذا كان قد ابتدأ خلط يعفن في موضع فكما أتت عيه العفونة ابتدأ خلط من جنسه، أو من غير جنسه يعفن فصادفت عفونة الثاني، زمان إقلاع نوبة الأول ثم اتصل الأمر كذلك وقد. تتركب الحميات العفنية ضروباً أخرى من التراكيب سنفصلها فيِ بابها.
وأدوار الحميات قد تطول، وقد تقصر فطولها لغلظ المادة، أو لزوجتها، أو لكثرتها، أو سكونها، أو لضعف القوة، أو لضعف الحس، أو لتكاثف المسام فلا يتحلل الخلط وقصرها لأضداد ذلك والنوائب تسرع وتبطئ وبطؤها أما بسبب أن المادة قليلة، أو بطيئة الحركة إلى معدن العفونة لغلظها، وهذه كمادة الربع وسرعتها لأنها كثيرة كالبلغم، إلا الزجاجي فنوائبه ربما تباطأت، أو لطيفة كالصفراء.
وأردأ الحميات هي: اللازمة التي تكون العفونة فيها داخلة العروق، ثم المقلعة التي تكون