القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩ - المقالة الثانية كلام كلى فى حميات العفونة
بارداً يأباه الحار الغريزي، ويعفنه الغريب مثل ما يتولد عن القثاء والقند والكمثري، ونحوه أو رداءة صنعته أو وقته وترتيبه على ما علمت، وإما بسبب السدّة المانعة للتنفس والتروّح بسبب مزاج البدن الرديء، إذا لم يطق الهضم الجيد، وكان أيضاً أقوى مما لا يفعل في الغذاء، والخلط شيئاً فيتركه فجاً، ومثل هذا المزاج إما أن يولد أخلاطاً رديئة، وإما أن يفسد ما يولّده لتقصيره في الهضم ولتحريكه إياه التحريك القاصر، وهذه أسباب معينة في تولّد السدد المولّدة للعفونة. وإما بسبب أحوال خارجة من الأهوية الرديئة كهواء الوباء، وهواء البطائح، والمستنقعات، وقد يجتمع منها عدة أمور، وأكثر أسباب العفونة السدّة، والسدّة إما لكثرة الخلط، أو غلظه أو لزوجته.
وأسباب كثرة الأخلاط وغلظها ولزوجتها معلومة، وإيراثها السدٌة معلوم، فإذا حدثت السدّة، حدثت العفونة لعدم التروح وخاصة إذا كانت معقبة بحركات في غير وقتها على امتلاء وتخمة، واستحمامات مثل ذلك أو تشمس، أو تناول مسخنات على الامتلاء، وترك مراعاة الهضم في المعدة والكبد، وتلافي تقصير إن وقع بتسخينهما بالأطلية والكمادات والعفونة، قد تكون عامة للبدن كله، وقد تكون في عضو لضعفه أو لشدة حرارته الغريبة وحدتها، أو وجعه والخلط القابل للعفونة، إما صفراء يكون حق ما يتبخر عنها أن يكون دخانياً لطيفاً حاداً، وإما دم حق ما يتبخر عنه أن يكون بخارياً لطيفاً، وإما بلغم يكون حقٌ ما يتبخر عنه أن يكون بخارياً كثيفاً، وأما سوداء حق ما يتبخر عنها أن يكون دخانياً كثيفاً غبارياً، وعفونة الصفراء توجب الغب وما يجري مجراها، وعفونة الدم توجب المطبقة، وعفونة البلغم في أكثر الأمر توجب النائبة كل يوم، وما يجري مجراها وعفونة السواء توجب الربع وما يجري مجراها، والدم مكانه داخل العروق، فعفونته داخل العروق.
وأما الصفراء والبلغم والسوداء، فقد تعفن داخل العروق، وقد تعفن خارج العروق، وإذا عفنت خارج العروق ولم يكن سبب آخر، ولا كانت العفونة في ورم باطن، يمد القلب عفونة متصلة أوجبت الدور الذي ذكرنا لكل واحدة، فعرض وأقلع وإن كانت البلغمية لا يقلع إلا وهناك بقية خفية.
وإذا عفنت داخل العروق، أوجبت لزوم الحمى ولم تكن مقلعة ولا قريبة من المقلعة، بل كانت لازمة دائمة لكن لها اشتدادات تتعرف بها النوبة التي لها.
وإذا كانت العفونة الداخلة مشتملة على العروق كلها، أو على أكثر ما يلي القلب منها لم تكد الاشتدادات والنقصانات تظهر، وإذا كانت على خلاف ذلك ظهرت التغيرات ظهوراً بيِّناً، وإنما كانت العفونة الخارجة تقلع ثم تنوب، لأن المادة التي تعفن تأتي عليها العفونة في مدة النوبة، فتفني رطوباتها التي بها تتعلق الحرارة، وتتحلل وتخرج من البدن لأنها غير محبوسة في العروق فيمنعها ذلك عن تمام التحلل وتبقى رماديتها وأرضيتها التي ليست مظنة للحمى والحرارة كما يرى من حال عفونة الأكداس، والمزابل قليلًا قليلًا حتى يترمد الجميع ثم لا يبقى حرارة.