القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٩٥ - فصل في العلامات
وأسبابه المعينة إنسداد المسام، فيختنق الحار الغريزي، ويبرد الدم ويغلظ، وخصوصاً إذا كان الطحال سددياً ضعيفاً لا يجذب ولا يقدر على تنقية الدم من الخلط السوداوي، أو كانت القوة الدافعة في الأحشاء تضعف عن دفع ذلك في عروق المقعدة والرحم، وكانت المسام منسدة وقد يعين ذلك كله فساد الهواء في نفسه، أو لمجاورة المجذومين. فإن العلة معدية وقد تقع بالإرث وبمزاج النطفة التي منها خلق في نفسه لمزاج لها، أو مستفاد في الرحم بحال لها مثل أن يتفق أن يكون العلوق في حال الحيض. فإذا اجتمع حرارة الهواء مع رداءة الغذاء، وكونه من جنس السمك والقديد واللحوم الغليظة ولحوم الحمير والعدس، كان بالحري أن يقع الجذام كما يكثر بالإسكندرية.
والسوداء إذا خالطت الدم أعان قليلها على تولّد كثيرها، لأنها لا محالة تغلظ من وجهين: أحدهما بجوهرها الغليظ، والثاني ببردها المجمّد، لهاذا غلظ بعض رطوبته كان تجفّفه بحرارة البدن أسهل، وقد يبلغ من غلظ الدم في المجذومين أن يخرج في فصدهم شيء كالرمل. وهذه العلة تسمى داء الأسد. قيل إنما سمّيت بذلك لأنها كثيراً ما تعتري الأسد، وقيل لأنها تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد، وقيل لأنها تفترس من تأخذه افتراس الأسد، والضعيف من هذه العلة عسر العلاج، والقوي ما يؤمن من علاجه، والمبتدىء أقبل، والراسخ أعصى، والكائن من سوداء الصفراء أهيج، وأكثر أذى، وأصعب أعراضاً وأشد إحراقاً وتقريحاً، لكنه أقبل للعلاج.
والكائن عن ثقل الدم أسلم وأسكن ولا يقرّح، والكائن عن السوداء المحترقة يشبه الصفراوي في أعراضه لكنه أبطأ قبولًا للعلاج، وهذا المرض لا يزال يفسد مزاج الأعضاء بمضادة الكيفية للكيفية الموافقة للحياة، أعني الحرارة والرطوبة حتى يبلغ إلى الأعضاء الرئيسة، وهناك يقتل، ويبتدىء أولًا من الأطراف والأعضاء اللينة، وهناك ينتشر الشعر عنها ويتغير لونها، وربما تأدت إلى تقرّح، ثم يدبّ يسير يسيراً في البدن كله، فإنه وإن كان أول تولده في الأحشاء، فإن أول تأثيره في الأطراف، لأنها أضعف.
على أنه ربما مات صاحبه قبل أن تنعكس غائلته الظاهرة على الأحشاء والأعضاء الرئيسة، ويكون صوته ذلك بالجذام وبسوء مزاجه. ولما كان السرطان وهو جذام عضو واحد مما لا برء به، فما تقول في الجذام الذي هو سرطان البدن، إلا أن في الجذام شيئاً واحداً وهو أن المرض فاش في البدن كله، فإذا استعملت العلاجات القوية اشتغلت بالمرض، ولم تحمل على الأعضاء الساذجة، وليس كذلك في السرطان.
فصل في العلامات
إذا ابتدأ الجذام ابتدأ اللون يحمر حمرة إلى سواد، وتظهر فيَ العين كمودة إلى حمرة، ويظهر في النفس ضيق، وفي الصوت بحة بسبب تأذي الرئة وقصبتها، ويكثر العطاس وتظهر في