القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٩٦ - فصل في الجدري
قوية وفي بلدان شديدة الحرّ والرطوبة، وعروضه في الأبدان الرطبة أكثر من عروضه في الأبدان اليابسة، وعروضه في الربيع أكثر من عروضه في الشتاء، وبعد الربيع في آخر الخريف وخصوصاً إذا تقدّمه صيف حار يابس، وكان ذلك الخريف حاراً يابساً أيضاً، والجدري لبس إنما يعرض في الجلد وحده وفيما يلي الظاهر، بل يعرض في جميع الأعضاء المتشابهة الأجزاء الظاهرة والباطنة، حتى الحجب والأعصاب. وإذا ظهر الجدري أورث حكة، ثم تظهر أشياء كرؤوس الإبر جاورسية، ثم تخرج وتمتلىء مدة ثم تتقرح ثم تصير خشكريشة مختلفة الألوان، ثم تسقط.
وربما انتقل الجدري إلى فلغموني وماشرا وإلى دبيلة تجمع المدة، وأكثر ما يطهر يظهر وله لون الفلغموني ولكنه ربما خرج على ألوان مختلفة رمادية وبنفسجية وسود، فإن الجدري له أصناف وألوان فمنه أبيض، ومنه أصفر ومنه أحمر ومنه أخضر ومنه بنفسجي، ومنه إلى السواد، والأخضر والبنفسجي رديان وكل ما ازداد ميلًا إلى السواد، فهو أردأ وكل ما مال عنه فهو أميل عن الشر، والأبيض أجوده وخصوصاً إذا كان قليل العدد كثير الحجم سهل الخروج قليل الكرب ضعيف الحمى ترى الحمى تنقضي مع ظهوره وخروجه، ويكون أول بروزه في الثالث، وما يقرب منه، وبعد هذا البيض الكبار الكثيرة العمد المتقاربة من غير اتصال، فإن اللواتي يتصل بعضها ببعض حتى تحيط برقعة كبيرة من اللحم ذات أضلاع أو مستديرة، فهي رديئة، وكذلك المضاعفة الكبار التي تكون في جوف الواحدة منها جدرية أخرى. وأما البيض الصغار الصلبة المتقاربة العسرة الخروج، فإنها وإن أوهمت في ابتداء الأمر سلامة، فقد يخشى عليها أن يعسر نضجها ويسوء معها حال العليل، وتتأدّى به إلى الهلاك، لأن السبب فيه غلظ المادة.
ومن أصناف الرديء المخوف الذي يهلك كثيراً ما يختلف حاله، فتارة يظهر، وتارة يبطن، وخصوصاً إذا ظهر بنفسجياً، وكذلك اللجوج الذي لا ينفك الإقبال منه عن ضعف قوة، عن اخضرار عضو واسوداده يهلك، فإن كان الاخضرار والاسوداد الذي يعقبه بعد الإبلال لا يسقط القوة بل تتزايد معهما القوة لم يكن مهلكاً، لكنه ربما أوقع في قروح وما يجري مجراها.
ولأن تكون حمّى ثم جدري أسلم من أن يكون جدري سابق، ثم تلحقه وتطرأ عليه حمى وأكثر ما يجب أن يتفقد من أمر المجدور نفسه وصوته، فإنهما إذا بقيا جيدين كان الأمر سليماً.
وإذا رأيت المجدور يتتابع نفسه وكذلك المحصوب فأحدس سقوط قوة أو ورم حجاب، ثم إذا رأيت العطش يشتدّ والكرب يلح والظاهر يبرد والجدري أو الحصبة تخضر فقد آذن العليل بالهلاك، ويؤكد ذلك أن يكون الجدري من جنس ما أبطأ خروجه وظهوره.
وأكثر من يموت بالجدري يموت اختناقاً، أو ظهوراً من الخناق، وقد يموتون لسقوط القوة بالسحج والإسهال، وإذا رأيت الفنسجي من الجدري والحصبة يغور فاعلم أنه سيغشى على