القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٣ - فصل في حمى يومٍ تخمية امتلائية
وإن لم تحس بكثرة الأخلاط بل أحسست بالسدد وأنها حادثة عن غلظها ولزوجتها، فربما لم تحتج إلى فضل. فصد واستفراغ، بل احتجت إلى التفتيح. والتفتيح هو بالجوالي من الأغذية والأدوية، ولما كانت العلة حمى فليس يمكن أن يرجع في التفتيح إلى الجوالي الحارة، بل ما بين السكنجبين الساذج إلى السكنجبين البزوري، ومن ماء الهندبا إلى ماء الرازيانج، والغذاء مما فيه غسل وليس فيه لزوجة مثل: كشك الشعير، والسكر مع أنه قريب من الغذاء، ففيه تفتيح وجلاء فلا بأس بأن يخلط بكشك الشعير.
ثم يجب أن تنظر إذا استفرغت إن وجب استفراغه، وفتحت بمثل ما ذكرناه هل نقصت الحمى ووهنت، وهل إن كانت قد تنوب ضعفت نوبتها الثانية عن الأولى، ونظرت إلى البول فوجدته ليس عديم النضج، وفي النبض فوجدته لا يدلّ على عفونة، استمررت على هذا التدبير، وأدخلت العليل في اليوم الثالث بعد النوبة في الحمّام وقت تراخي النوبة المنتظرة إن كانت إلى خمس ساعات ومرخته ودلكته بأشياء فيها جلاء معتدل مثل ما بين دقيق الباقلا إلى دقيق الكرسنة، ودقيق أصل السوسن والزراوند المعجون بشيء من العسل، والماء.
وإن جسرت على أقوى من ذلك فرغوة البورق، وإن حدس أن الحمّام يغير من طبعه شيئاً، ويحدث كقشعريرة لم يلبث فيه طرفة عين، فإن هذه السدة ليست من جنس ما يفتحها الحمام فإذا خرج من الحمّام، فلا يجب أن يقرب طعاماً ولا شراباً إلا بعد أمن من النوبة. فإن أوجب الحال أن يطعم شيئاً ولم يضر سقي ما فيه تفتيح مثل: ماء الشعير الرقيق الكثير الماء، القليل الشعير الكثير الطبخ مطبوخاً مع كرفس، فإن لم تعاوده النوبة فحمّمه ثانياً إن اشتهى ذلك واغذه، وإن نابت ناقصة من النوبة الأولى وكان البول جيداً، فثق بصحة العلاج وقلّة السدد، وعالجه بعد إقلاعها بمثل ما عالجت واغذه، وإن جاءت التوبة كما كانت، أو أقوى من ذلك والبول ليس كما يجب فالعلة إلى العفن، والعلاج علاج العفن حسبما تعلم ذلك.
فصل في حمى يومٍ تخمية امتلائية
قد يحدث من التخم أبخرة رديئة تشتعل حرارة، وتلتهب الروح حتى وخصوصاً في الأبدان المرارية، والتي ليست بواسعة المسام، فإن أكثر فضولها يبخر أبخرة دخانية، ويقل فيها الجشاء الحامض، وأقل الناس استعداداً لها، هم الذين يأخذون بعد التخمة في الرياضة والحركة والتشمس، والاستحمام بعدما عرض لهم من هذا، فتكثر فيهم البخارات الدخانية وخصوصاً إذا كان بأبدانهم وجع ولذع، وخصوصاً في أحشائهم.
وأما عن مادة الجشاء الحامض، فقلما تتفق أن تتولد حمى، وإن تولدت كانت ضعيفة، بل لن تتولد ويظن المتولد مع الجشاء الحامض أنه لسبب غير التخمة، وهؤلاء إذا انطلقت طبائعهم انتفعوا جداً، وزالت حُماهم لانتقاص العضل الدخاني. ويختلف علاج من تحتبس طبيعته منهم