القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٩٤ - فصل في ماهيه الجذام وسببه
وكذلك في ابتداء ما يخرج فإن لم يبال من ذلك وخرج فالصواب أن يهيأ له ما يشدّ به ويلف عليه بالرفق قليلًا قليلًا حتى يخرج إلى اخره من غير انقطاع، وأحسنه رصاصة يلف عليها، ويقتصر على ثقلها في جذبه فينجذب بالرفق ولا يتقطع ويجتهد في تسهيل خروجه بأن يدام تسخيف العضو وخلخلته بالنطول بالماء الحار واللعابات المبردة والأدهان الملينة، باردة ولطيفة الحرارة، وما يجري مجراها، ليسهل خروجه.
وربما لم يسهل بذلك بل احتيج إلى مثل التلطيخ بدهن الخيري، بل الزنبق، بل البان، وأن يستعمل عليه مرهم الزفت، وإن كان الحدس يوجب أن البط عنه يخرجه بكليته، ولم يكن مانع بططت وأخرجت، وإن كان إخراجه بالجذب المذكور لا يسهل والبط عنه لا يمكن فعفنه بالسمن فإنه يعفن بكليته، ويخرج.
وإياك واستعمال الحادة من الأدوية، فإنه ربما أدى إلى الأكلة، واذا أدمن على أواخره الدلك بالملح قليلَا قليلًا، أو دلك من خلف بالمرفق، ومد من مخرجه باللطف والرفق خرج بكفيته، خصوصاً إذا شُق أبعد ما خلفه، وأدخل تحته الميل هناك، ودفع، وأديم المَسْح، وهو يخرج بالملح قليلًا قليلًا بالرفق، فإنه إذا فعل به ذلك فقد يخرج كله، فإن انقطع وكمن، لم يكن بد من البط عنه إلى أن يصار كرة أخرى، ثم يخرج بالرفق ويعالج الموضع بعلاجات الجراحات.
المقالة الثالثة فى الجذام
فصل في ماهيه الجذام وسببه
الجذام علة رديئة، يحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها، وربما فسد في آخره اتصالها حتى تتأكّل الأعضاء وتسقط سقوطاً عن تقرّح وهو كسرطان عام للبدن كله، فربما تقرح وربما لم يتقرّح، وقد يكون منه ما يبقى بصاحبه زماناً طويلًا جداً. والسوداء قد تندفع إلى عضو واحد، فتحدث صلابة أو سقيروساً أو سرطاناً بحسب أحوالها، وإن كانت رقيقة غالية أحدثت آكلة، وإن اندفعت إلى السطح من الجلد أحدثت ما يعرف من البرش والبهق الأسود والقوباء ونحوه.
وقد ينتشر في البدن كله، فإن عفن أحدث الحمى السوداوية، وإن ارتكم ولم يعفن أحدث الجذام، وسببه الفاعلي الأقدم سوء مزاج الكبد المائل جداً إلى حرارة ويبوسة، فيحرق الدم سوداء، أو سوء مزاج البدن كله، أو يكونان بحيث يكثف الدم بسببهما برداً، وسببه المادي هو الأغذية السوداوية والأغذية البلغمية أيضاً، إذا تراكمت فيها التخم وعملت فيها الحرارة فحللت اللطيف، وجعلت الكثيف سوداء، والامتلاءات والأكلات على الشبع، لهذا المعنى بعينه