القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٣٥ - فصل في العلامات المأخوذة من جهة العرق
غير سبب يوجب ذلك، يدل على أن صاحبه يحمل على بدنه من الغذاء أكثر مما يحتمل، فإن كان ذلك من غير أن ينال صاحبه من الطعام. فاعلم أنه يحتاج إلى استفراغ.
والسبب في ذلك أن العرق الكثير مع صحة من القوة لا يكون إلا لكثرة مادة من حقها أن تدفعها الطبيعة، وتلك الكثرة إما أن تكون بسبب قريب، وهو الامتلاء القريب. والامتلاء القريب هو من المطعومات الوقتية، ومثل هذا الامتلاء يدفعه الجوع أو الرياضة، أو العرق الذي اندفع بالطبع، وإما أن يكون بسبب متقادم بعيد، وهو من الفضول السابقة، ولا يغني في مثلها إلا الاستفراغ المنقي للبدن منها، وأما العرق فإنه ربما لم يخرج منه إلا اللطيف الرقيق القليل، وترك الفاسد العاصي في البدن، وغادر الطبيعة تحت ثقل الخلط الفاسد وذلك مما يضعفها.
واعلم أنه كلما كانت الحرارة الغريزية أقوى، كان التحلل أخفى، فلم يكن عرق إلا أن تكون أسباب أخرى، ولذلك صار العرق خارجاً عن الطبيعة، لأنه إما عن امتلاء وكثرة وشدة اتساع مسام، وإما لعجز من القوة عن الهضم الجيد، وإما لشدة حركة.
فصل في الأيام التي يكثر فيها العرق ويقل
أكثر ما يكون العرق في الأمراض الحادة في الثالث والخامس، ويقل في الرابع، بل يقل أن تبحرن به هذه الأمراض في الرابع، إلا في الندرة. وقلما يتفق على ما زعم المجربون أن يعرق المريض في السابع والعشرين، والواحد والثلاثين، والرابع والثلاثين.
فصل في وجوه الاستدلال من العرق
العرق يدل بملمسه هل هو حار أو بارد، ويدلّ بلونه هل هو صاف أو إلى الصفرة أو إلى الخضرة، ويدل بطعمه هل هو مر أو حلو أو إلى حموضة، ويدل برائحته هل هي منتنة أو حامضة أو حلوة أو غير ذلك، ويدل بقوامه هل هو رقيق أو لزج، ويدل بمقداره هل هو كثير أو قليل، ويدل بموضعه هل هو سابغ أو قاصر وأنه من أي عضو هو، ويدل من وقته هل هو في الابتداء أو الانتهاء والانحطاط، ويدل بعاقبته هل يعقب خفا أو يعقب أذى ونافضاً وقشعريرة وغير ذلك.
فصل في العلامات المأخوذة من جهة العرق
العرق البارد مع حرارة الحمى، علامة رديئة جداً، وخصوصاً ما اقتص بالرأس والرقبة، وينذر بغشي وإن لم يكن بارد. فكيف البارد وهو أردأ أصناف العرق، لأنه يدل على غشي كان، ليس على غشيّ يكون. فإن كانت الحمّى عظيمة فالموت قريب، ولن يكون عرق بارد إلا وقد سقطت الحرارة الغريزية، فلا تحفظ الرطوبات بل تخلي عنها فتفرقها وتبخّرها الحرارة الغريبة، ثم تفارقها تلك الحرارة لغربتها فيبرد العرق المنقطع رديء.