القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٩٤ - فصل كلام كلّي في حميات اليوم
وأما الوباء الصيفي الخبيث الرديء فيدل عليه قلة المطر في الربيع مع برد، ثم إذا رأيت الجنوب يكثر ويكدر الهواء أياماً ثم يصفو بعده أسبوعاً فما فوقه، ثم يحدث برد ليل ومدّ نهار وغمة وكدورة وحرارة، فقد جاء الوباء فتوقع حمّيات الوباء والجدري ونحوه.
وكذلك إذا لم يكن الصيف شديد الحرارة وكان شديد الكدورة مغير الأشجار، وكان سلف في الخريف شهب ونيران ونيازك فهو علامة وباء، وكذلك إذا رأيت الهواء يتغير في اليوم الواحد مرات كثيرة، ويصفو الهواء يوماً وتطلع الشمس صافية، وتكدر يوماً آخر وتطلع في جلباب من الغبرة فاحكم بأن وباء يحدث.
وأما العلامات التي على سبيل المقارنة للسبب فمثل أن ترى الضفادع قد كثرت وترى الحشرات المتولدة من العفونة قد كثرت، ومما يدل على ذلك أن ترى الفأر والحيوانات التي تسكن قعر الأرض تهرب إلى ظاهر الأرض سدرة مسمدرة، وترى الحيوان الذكي الطبع مثل اللقلق ونحوه يهرب من عشه، ويسافر عنه وربما ترك بيضه.
في معالجات الحمى الوبائية جملة علاجهم التجفيف، وذلك بالفصد والإسهال، ويجب أن تبادر فيها إلى الاستفراغ، فإن كانت المادة الغالبة دموية فصدوا، وإن كانت أخلاطاً أخرى استفرغوا، ويجب أن تبرّد بيوتهم وتصلح أهويتها.
أما تبريد بيوتهم فبأن يحفّ بالفواكه والرياحين الباردة، وأطراف الشجر الباردة، واللخالخ والنضوخات المتخذة من الفواكه الباردة الرائحة، ومن الكافور وماء الورد والصندل، ويرش بيته كل يوم مراراً وخصوصاً بماء الورد والخلاف، والنيلوفر.
وإن كان في البيت رشاشات ونضّاخات للماء فهو أجود، وأما إصلاح الهواء فسنذكره ويستعمل فيهم أقراص الكافور، والربوب الباردة، وماء الرائب المنزوع الزبد وماء ورد ديف فيه مصل حامض طيب، والخلّ بالماء أيضاً، والماء البارد الكثير دفعة نافع جداً. وأما القليل المتتابع فربما هيّج حرارة فإن تمادى الأمر إلى أن تتمثد الشراسيف، وتبرد الأطراف ويطول السهر والإختلاط، وترى الصدر وما عليه يرتفع وينزل، فلا بد من استعمال الدثار الجاذب للحرارة إلى خارج، وإذا سقطت الشهوة أجبروا على الأكل، فإن أكثر من يتشجع على ذلك ويكل قسراً يقبل ويعيش، فلا بد من إجبارهم على الغذاء، ويجب أن تكون أغذيتهم من الحوامض والمجففات، وتكون قليلة المقدار، فإن أغذيتهم تكون أيضاً رديئة فتضر كثرتها من حيث الرداءة وتضرّ أيضاً من حيث الامتلاء، وأما إصلاح الهواء فقد يكون بعضه بحسب الأصحاء، وبعضه بحسب الأصحاء والمرضى. أما الذي بحسب الأصحاء فيكون الغرض فيه أن يجفف الهواء، ويطيب وتمنع عفونته بأي شيء كان فيصلح العود الخام، والعنبر والكندر والمسك، والقسط الحلو والميعة