القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٥٨ - فصل في الحمى المحرقة وهي المسماة فاريقوس
كانت فيهم مع السبات لتثوير الأبخرة إلى الرأس، وقد ذكر بقراط أن من عرض له في الحمى المحرقة رعشة، فإن اختلاط الذهن يحلّ عنه الرعشة، ويشبه أن يكون ذلك لأن الدماغ يسخن جداً فيسخن العصب، ويشبه أن تكون محرقة، ويكون اختلاط الذهن ينحل عنه بالرعشة لانتقاض المواد إلى العصب، وأكثر ما تفضي تفضي بقيء، أو باستطلاق أو عرق أو رعاف.
العلامات علاماتها اللزوم وخفاء الفترات، وشدّة الأعراض من خشونة اللسان، ومن اصفراره أولًا، ومن اسوداده ثانياً، ومن احتباس العرق إلا عند البحران، وشدة العطش. قال بقراط إلا أن يعرض سعال يسير فيسكّن ذلك العطش، يشبه أن تكون شدة عطشهم بسبب الرئة، فإذا تحركت يسيراً بالسعال، ابتلت بما يسيل إليها من اللحم الرخو. والحرارة في المحرقة في أكثر الأمر لا تكون قوية في الظاهر، قوتها في الباطن. ويكون النكس فيها أخفّ منه في غيرها، والكائنة من الصفراء تشتد فيها الأعراض الرديئة من السهر، والقلق والاحتراق واختلاط الذهن، والرعاف والصداع وضربان الصدغين، وغؤور العين واستطلاق البطن بالصفراء المحضة، وسقوط الشهوة، وإذا عرضت للصبيان كرهوا الثدي، ولم يقبلوه وفسد ما يمصونه من اللبن وحمض.
علاج المحرقة علاجها هو علاج الغب الخالصة. وإذا احتاجوا إلى استفراغ بمثل ما قيل، فالتعجيل أولى. وأما التام فبعد النضج، والفصد ربما ألهبهم وربما نفعهم، إن كان هناك كدورة ماء وحمرة، لكنه يحتاج إلى تلطيف وتبريد أشد، وتبريد بالفعل لما يتناولونه. وإذا خفت سقوط القوة فلا بدّ من تغذية، وإن لم يشتهوها، وخصوصاً فيمن يتحلّل منه شيء كثير، فإنهم كثيراً ما يصيبهم بوليموس أي عمم الحسّ، وإلى تليين في الابتداء أقوى، وإلى معالجات الحمى الحادة المذكورة على جميع الأنحاء الموصوفة، وقد يصلح أن ينام عند فتور قليل من الحمى على ماء التمر الهندي، وقد جعل فيه قليل كافور، واستحمت لهم السكنجبين، أو حليب بزر البقلة الحمقاء، أو حليب بزر الهند.
والبطيخ الرقي جيد لهم، ويعتبر في شربة الماء البارد ما ذكرناه، فإنلم يكن مانع سقي منه، ولو إلى الاخضرار، وربما أنساهم اختلاط الذهن طلب الماء، فيجب أن يجرعوا منه كل وقت قليلًا قليلًا جرعات كثيرة، وخاصة من يرى لسانه يابساً جافاً، وتعالج أعراضه المفرطة بما ذكرناه في أبوابها، ويجب أن يتوقى عليهم إفراط الرعاف، فإنه مما يعظم فيه الخطب عندهم، ويجب أن تراعى نفسهم، ولا تدع نواحي الصدر أن تشنج، ويجب أن تحفظ رؤوسهم بالخلّ، ودهن الورد، والصندل، وماء الورد والكافور ونحو ذلك.