القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٥٣ - فصل في الغبً مطلقاً ويسمى طريطاوس
النبض أقوى فيه بل لا اختلاف فيه في الأكثر، إلّا الاختلاف الخاص بالحمّى من دون غيره، وفي الابتداء لا بد من تضاغط النبض إلى وقت انبساط الحمّى، ثم يقوّى ويسرع ويتواتر، ويكون اختلافه ليس بذلك المفرط، وقد يدل عليه السن، والعادة والبلد والحرفة والسحنة، والفصل وكثرة وقوع الغب في ذلك الوقت، فإذا تركبت غبّان كانت النوائب عائدة كل يوم، فمن راعى الغبّ بالنوبة غلط فيه، بل يجب أن يراعى الدلائل الأخري، والنوائب تؤكدها، وأصحاب الغب قد يعرض لهم سهر وحب خلوة، وكثيراً ما يحسون بغليان عند الكبد.
الفرق بين الغب الخالصة وغير الخالصة: الخالصة لطيفة خفيفة، تنقضي نوبتها من أرج ساعات إلى إثنتي عشرهّ ساعة، لا تزيد عليها كثيراً، فإن زادت كثيرة فهي غير خالصة، وهي في الاكثر إلى سبع ساعات، ويسخن فيها البدن بسرعة، وترى الحرارة تنبعث من البدن والأطراف بعد باردة. وكذلك الخالصة، لا تزيد إذا لم يقع غلط على سبعة أدوار، وربما أنقضت للطافة مادّتها في نوبة واحدة، يقع فيها قيء أو إسهال منقّ، ويظهر النضج في البول أو في أول يوم، أو في الثالث أو في الرابع أو في السابع، فإن زادت على سبعة أدوار زيادة كثيرة فهي من جملة الغير الخالصة، وكذلك إن طالت مدة نافضها. وتكون تزيد نوائبها، ويقدّم نفضها على نمط محفوظ النسب متشابهها، وفي غير الخالصة يكون ذلك محتلفاً غير مضبوط.
وكذلك إذا تشابهت النوائب على حدّ واحد، وسائر علامات طول الحمّى مما قد علم، وإذا رأيت الابتداء بنافض على ما حدّدناه، والانتهاء بعرق غزير، فلا تشكّ أنها خالصة. والخالصة إذا شرب صاحبها ماء انبعث من بدنه بخار رطب، كأنه يريد أن يعرق، وربما عرق.
وغير الخالصة يوجد معها ثقل كثير في الرأس وامتداد، وتطول النافض والنوبة حتى تبلغ أربعا وعشرين ساعة أو ثلاثين ساعة إلى وقتها، وتفتر تتمة ثمانية وأربعين ساعة، وبمقدار زيادة النوبة على إثني عشر ساعة يكون بعدها عن الخلوص. وفي الغب الغير الخالصة يبطؤ ظهور النضج، ولا يظهر في السحنة قضف، ولا هزال. وربما لم تقلع بعرق وافرٍ، وربما لم تبتدىء بنافض قوي. ولا تكون الحرارة بتلك القوة، ولا يكون تزيّدها مستوياً، بل كأنها تتزيّد ثم تتقدّم فتنقص، والأعراض الصعبة تقل فيها.
الغب اللازمة تعرف باشتداد النوائب غباً وبشدة أعراض الغست. وعند" جالينوس" أنَّ الدم إذا عفن، صار من هذا القبيل، وفيه كلام يأتي من بعد.
علاج الغِبّ الخالصة يجب أن تتذكر ما أعطيناك من الأصول في علاج الحمّيات في الإسهال، والغذاء وفي جميع الأبواب، وتبنى عليها ولا تلتفت إلى قول من يرخص في الابتداء بالمسهلات القوية