القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١١٣ - فصل في البُحران وما هو وفي أقسامه وأحكامه
اللون في الوجه والأرنبة دفعة إلى حمرة أو صفرة، واختلاج الشفة والعينين، والعطش والخفقان ووجع في فم المعدة وضيق نفس وعسره يعرضان بغتة، وثقل الشراسيف وتمدد فيها، ووجع واختلاج ووجع في الظهر واختلاج في العضل ومغص و قرقرة. وقد يعرض نافض يدل عليه، ويعرض وجع إعيائي وقد يتغير النبض عن حاله فيدل عليه. والعلامات الليلية أشدّ من النهارية.
وقد يحتبس بسبب البحران أشياء كان من شأنها أن تستفرغ من دم طمث، أو بواسير أو اختلاف فيدل على أن الحركة حدثت بالخلاف في الجهة، والسبب في ذلك أن المادة الفاعلة للمرض تثير أعراضاً ودلائل تدلّ بسبب حركتها وتختلف إما بسبب اختلاف المادة وإما بسبب جهة الحركة.
أما الاختلاف بسبب اختلاف المادة فمثل أن الحركة من المادة إذا كانت إلى فوق، ثم دلت الدلائل من نوع المرض ومن السن والمزاج وغيره أن المادة دموية توقّع الطبيب الرعاف، هان دلت على أنها صفراوية توقّع القيء في الأكثر، اللهم إلا أن تدلّ دلائل أخرى تخصّه بالرعاف فكثيراً ما يكون بحرانه بالرعاف أيضاً، وتتقدمه خيالات صفر ونارية، والرعاف المهول ربما استأصل مواد أمراض خبيثة وعافى في الحال.
وإما بسبب جهة الحركة فلأنها إما أن تتحرك نحو الحمل على الأعضاء الرئيسة والتي تليها من الأحشاء فتحدث آفات في أفعالها، ومضار تلحقها مثل ما يعرض في ناحية الدماغ اختلاط الذهن والصداع وما ذكرنا معهما، وفي ناحية القلب الخفقان وسوء التنفس وما ذكرنا معهما، وإما أن تتحرّك نحو الاندفاع ويكون ذلك على وجهين: فإنها إما أن تأخذ في الاندفاع من كل جهة وبعد فتكون إلى جميع الظاهر وهو بالعرق، وإما أن تأخذ نحو جهة وإذا أخذت نحوها فربما كانت الجهة بحيث إذا سلكت لم يكن بدّ من المرور بالأعضاء الرئيسة مثل الجهة العالية، فإن المادة المتوجهة إليها تجتاز على نواحي الصدر وأعضاء التنفس وعلى نواحي الدماغ، فتحدث أيضاً أعراضاً مثل أعراضها لو لم تكن مندفعة بل حاصلة، وربما كانت الجهة نحو أعضاء هي دون الرئيسة كفم المعدة عند قصد المادة المندفعة بالبحران أن تندفع بالقيء، أو هي من الرئيسة إلا أنها حاملة للمؤن غير متأدية بسرعة إلى الفساد، كما تتأدى إلى نواحي الكبد فتندفع من طريق المثانة أو المرارة ومن كل جهة موضع دفع بحراني كما في المعدة للقيء، وناحية الرأس للرعاف ونحوه، وناحية الكبد للبول، وناحية الأمعاء للإسهال.
وإذا كانت الصورة هذه فلا يبعد أن تكون لحركتها في كل جهة علامة تدل على أن المتوقّع من اندفاعها كائن من ذلك القبيل، إن كان البحران المتوقع جيداً، وعلامة تدلّ على أن نكايتها الأولية من جملتها الردية على ذلك العضو إن كان البحران ردياً، وربما كانت علامة واحدة صالحة لأن تدل على جهات كثيرة مثل أن الخفقان قد يدل على أن المادة مندفعة إلى فم المعدة، وقد يدل على أن المادة حاملة على القلب.
وربما كانت العلامة الواحدة دالة على أمر كلي مشترك للحركة إلى جهة، وتتوقّع علامات