القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٦٣ - فصل في الحمّى البلغمية
فصل في الحمّى البلغمية
قد علمت أن حمى عفونة البلغم قد تكون نائبة، وقد تكون لازمة، وقد علمت السبب في ذلك. ولها أوقات كسائر الحمّيات، وأقل أوقات ابتدائها في الأكثر ثمانية عشر يوماً، وإقلاعها في الأكثر ما بين أربعين وستين يوماً، وأسلمها النقية الفترات، ولا سيما الكثيرة العرق، فتدل على رقّة المادة، وقلتها وتخلخل البدن، وأطول أزمان هذه العلة الصعود على أنَ انحطاطها أيضاً أطول من انحطاط الغبّ بكثير، والبلغم العفن قد يكون زجاجياً، وقد يكون حامضاً، وقد يكون حلواً، وقد يكون مالحاً، وقد علمت كيف تكون من المالح محرقة، وأكثر ما تعرض حمى البلغم للمرطوبين، والمتّدعين والمشايخ، والصبيان وأصحاب التخم والمرتاضين، والمستحمين على الإمتلاء، وأصحاب الجشاء الحامض، وأصحاب امتلاءات صارت نوازل إلى المعدة تعفن فيها، وقلّما تخلو عن ألم في المعدة، واعلم أن كل حمّى معها برد، فإنه يضيق النبض ويصغره.
علامات البلغمية الدائرة وهي التي تسمى أمغيميربنوس أما ما كان السبب فيه بلغماً زجاجياً، أو حامضاً، فإن البرد يكثر فيه جداً، والنافض في الزجاجي أشد. لكن البرد لا يبتدىء فيها دفعةً، بل قليلًا قليلًا في الأطراف، ثم يبلغ إلى أن يصير كالثلج لا يسخن إلا بعسر، ولا يسخن دفعة ولا على تدريج متصل، بل قليلًا قليلًا مع عود من البرد، وربما خالط برده في الإبتداء قشعريرة، فيكون البرد لما لم يعفن، وللقشعريرة لما قد عفن، وأعظم برده ونافضه في أدوار المنتهى.
وهذه الحمى ليست من مادة تفعل نخساً حتى تكون سبباً للنافض من طريق النفض، فإن عفونتها عفونة شيء لين، وتأخذ مع ثقل وسبات، وكثيراً ما تبتدىء في النوائب الأولى بلا برد ولا نافض، بل تتأخر إلى مدة، وربما كان برد، ولم يكن نافض، وكثيراً ما تبتدىء بغشي، وقد لا يكون.
وهذه العلة يكثر فيها الغشي لضعف فم المعدة، وسقوط الشهوة، وعدم الاستمراء الذي هو مفن لمادة الغذاء والقوة. وأما ما كان من بلغم مالح فيتقدّمه إقشعرار ولا يشتدّ برده، وأما ما كان من بلغم حلواً فقلما يتقدمه في الأوائل إلى كثير من النوائب قشعريرة، ولا برد، ولا نافض، وأكثر أدوار الحمّى البلغمية تأخذ بالغشي، وقد يظهر فيها في الأوائل حر أشد، وفي الأواخر يقل ذلك، ويشبه أن يكون السبب في ذلك أن العفونة تسبق أولَ إلى الأحلى والأملح والأرق، ثم إلى الأغلظ والأبرد، ومس الحرارة فيها في الأول ضعيف بخارى، ثم إذا أطلت وضع اليد على العضو أحسست بحدة وحرافة، إلا أنها لا تكون متشابهة مستوية في جميع ما تقع عليه اليد، بل تكون متفاوتة تحد في موضع حرافة وفي موضع ليناً، وكأن الحرارة تتصفى خلف شيء مغربل لأن البلغم لزج يختلف انفعاله وترقّقه عن الحرارة كما يعرض لسائر اللزوجات عند