القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٦٤ - فصل في الحمّى البلغمية
غليانها، فإنها تتفقأ في موضع، ولا تتفقأ في مواضع، وكيف كان فحرارتها في أكثر الأمر دون أن تلتهب وتكرب، ويعظم الشوق إلى الهواء البارد، والماء البارد، ولا إلى التكشف والتململ والنفس العظيم والنافخ، وكثيراً ما يعرض لحرارتها أن تقف زماناً قدر ساعة أو ساعتين، فيحسب أنها قد انتهت فإذا هي بعد في التزيد، لأنك تراها قد أخذت تزيد.
وكذلك لها في الإنحطاط وقوفات، وحميات البلغم كثيرة التندية لكثرة الرطوبة، وبخارها قليل التعريق للزوجة الخلط. وإذا عرقت كان شيئاً غير سابغ، ومن أخص الدلائل بها قلة العرق، أو فقده والعطش. يقل في حميات البلغم إلا لسبب ملوحته، أو لسبب شدة عفونته، ومع ذلك فيكون أقل من العطش في غيرها، وانتفاخ الجنبين يكثر فيهم، وقد يعرض لجلد الجنب أن يرق مع تمدده. وأما لون صاحب حمى البلغم فإلى خضرة وصفرة يجريان في بياض حتى يكون المجتمع كلون الرصاص، حتى في المنتهى أيضاً، فقلما يحمر فيه احمراره في منتهيات سائر الحمّيات. وأما نبضه فنبض ضعيف، منخفض صغير، متفاوت أولًا، ثم يتواتر أخيراً، وتواتره وصغره أشد من تواتر الربع، والغت وصغرهما وشدة تواتره لشدة صغره، لكنه ليس أسرع من نبض الربع، وربما كان أبطأ منه أو مثله في الأول، وهو شديد الاختلاف مع عدم النظام والصغار والضعاف منهم في اختلافه أكثر، ودلائل النبض عليها من أصح الدلائل.
وأما بوله فهو في الأول أبيض رقيق لكثرة السمد والبرد، ثم يحمرّ للعفونة، ويكدر لرداءة النضج، وقد يتغير فيه الحال وقتاً فوقتاً، فإذا بقي من المالحة الغليظ وتحلل المتعفن وعاد وقت السدد أبيض، ثم إذا عفن شيء كثير بعد ذلك واندفع وفتح السدد احمرّ، إلى أن يرد على السدد ما يسدها مرة أخرى من ذلك الخلط بعينه، وأما برازه فلين رقيق بلغمي.
ومما يدل على أن الحمى بلغمية، أن تكون نوبتها ثمان عشرة ساعة، وتركها ست ساعات، ولا يكون تركها نفيا وذلك لأن المادة مع الغلظ واللزوجة كثيرة، وقد يدل عليها السن والعادة والفصل والبلد والأغذية، ويواقى أسبابها السابقة من التخم، ويدل عليها السخنة من لون السن والعادة والفصل والبلد والأغذية، ويوافى أسبابها السابقة من أتتخم، ويدل عليها السحنة من لون الوجه المذكور وتهيّجه ولين أتلمس، وضعف فم المعدة، وسقوط الشهوة، وربما كبر معها الطحال ويسبقها حساء حامض في أكثر الأوقات كثير.
علامات الحمّى اللازمة وهي التي تسمى الثقة أن تكون كسائر علامات الحمى البلغمية غير الإقلاع، وما يشبه الإقلاع، وغير الابتداء بنافض وبرد وقشعريرة، وتكون أشبه شيء بالدق، ويكون هناك تفتير في ست ساعات ونحوها فوق الذي يكون في الدائرة، فإن الدائرة أيضاً لا تخلو عن تفتير، إلا أنه يكون خفيًّا غير ظاهر.
حميات هي في أكثر الأحوال من جنس البلغميات، وقد تكون من الصفراء أحياناً، وليست مما