القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٤ - فصل في تعرف أوقات المرض وخصوصاً المنتهى
خواصها أنها لا تكون من الأسباب المتقادمة، ولا تبتدئ بتضاغط، وهو أنها لا تبتدئ في أكثر الأمر بنافض وبرد أطراف، وغؤر حرارة، وميل إلى الكسل، والنوم، وغؤر نبض، واختلافه وصغره بل ربما عرض في ابتدائها شبيه بالبرد، أو قشعريرة ونخس بسبب بخار كيموس رديء وتزول بسرعة. وقد يعرض في الندرة نافض لكثرة الأبخرة المؤذية للعضل، بنخسها كثرة مفرطة ويكون اشتعاله غير لاذع قشف، بل طيباً كحرارة بدن المتعب والسكران.
وإذا كان البول في اليوم الأول نضيجاً، والنبض حسناً فاحكم أنه حُمًى يوم وذلك لأنَّ البول لا يتغير فيه من حيث هي حُمَى يوم، ويكون فعله نضيجاً غير مائل إلى لون خلط، وربما كانت غمامة متعلقة، وربما كانت طافية حسنة اللون، فإذا اتفق أن لا يعتدل لونه فإن قوامه يكون معتدلًا، وإنما يتغير لونه لما يقارنه من سبب تغير البول.
وإن لم يكن هناك حُمَى مما سنذكر في التعبية ونحوها، والنبض يكون إلى توتر وقوة، وعظم إلا فيما يكون عن الانفعالات المضعفة، وإلا أن يكون في فم المعدة خلط يلذع، أو برد أو سبب آخر مما يصغر النبض عن الحُمى، وقلّما يختلف. فإن اختلف كان له نظام، فإن خالف في ذلك فلسبب آخر تقدم الحمّي، أو قارنها مثل التعب الشديد، أو اللاذع الشديد في الأحشاء ونحو ذلك.
وقد يعرض أن يصلب لبرد شديد مكثف مبرِّد، أو حرارة شمس شديدة مجففة، أو لتعب شديد مجفف، أو جوع، أو سهر، أو غمّ أو استفراغ، وقد يسرع فيه الانبساط ويبطؤ الانقباض، ولا يسرع أكثر من الطبيعي إلا في الندرة، وسرعة قليلة لأن الحاجة إلى الترويح فيه أشدّ من الحاجة، إلى إخراج البخار الفاسد، فإن البخار فيها ليس فاسداً بقياسه إلى المعتدل بل سخيفاً بقياسه إليه.
وإذا أشكل علي. النبض وانقباضه، فتعرف من التنفس والنبض يعود بعد إقلاعها إلى العادة الطبيعية له في ذلك البدن، وهذه علامة جيدة، واعلم بالجملة أنه كلما كان البول والنبض جيداً دل على أن الحمّى يومية، وإذا لم يكن لم يجب أن لا تكون يومية، فإنه كثيراً ما يكون فيها البول منصبغإً، والنبض مختلفاً وضعيفاً وصغيراً.
ومما يدلّ على أنها، حمّى يوم أن يكون ابتداؤها هيّناً ليّناً، ويكون تزيّدها لا يزيد على ساعتين، ولا يصحب منتهاها أعراض شديدة وحمّى العفونة بالضدّ، وأن لا يعرض فيها الأعراض الصعبة، ولا سورة حرارة شديدة ويقلّ معها الأوجاع، فإذا كان معها صداع أو وجع، لم يكن ثابتاً لازماً بعد إقلاعها، وهذا يدلّ على أنها يومية، وأكثر إقلاعها يكون بعرق وبنداوة وتشبه العرق الطبيعي ليس الخلطي، وليس بشديد الإفراط في الكمية، بل قريب من العرق الطبيعي في قدره، كما هو قريب منه في كيفيته.
فإن رأيت عَرَقاً كثيراً، فالحُمى غير يومية، ومما يجرّب به حُمّى يوم أن يدخل صاحبها