مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤١٨ - غاية المطاف
فكان رسول الله ((صلى الله عليه و آله)) أول من قام بهذا الأمر و أقدم على هذه النهضة العلمية الثقافية حفظا للسنة عن الضياع و السهو و النسيان و التحريف و الزيادة و النقصان، و هو يعلم أن الحفظ لا يفي دون التقييد، كيف و الإنسان مجبول على السهو و النسيان، و أن العلم لا يبقى مدى العصور إلا بالتقييد و الكتابة.
٤- و لكنه ((صلى الله عليه و آله)) يعلم أيضا بأن الكتابة و التقييد أيضا لا يكفي و لا يصون الزيادة و النقصان و السهو و الخطأ في الكتاب و عن الكذب و التدجيل، بل كان يعلم أنه سوف يكذبون عليه بعد موته كما كانوا قد يكذبون عليه في حياته حتى قال ((صلى الله عليه و آله)):
" من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"(١). و أنهم سوف يكثرون عليه من الكذب و الافتراء، و يفتعلون الأحاديث على حسب مشتهيات أنفسهم و مشتهيات رؤسائهم تزلفا إليهم و جلبا لحطام الدنيا، و سيحرفون و يبدلون كلام رسول الله ((صلى الله عليه و آله))، و لأجل ذلك جعل ديوانا خاصا لكتابة السنة، و عين له عليا ((عليه السلام))، و أمره أن يكتب جميع ما يلقي إليه و يملي عليه لا خوفا له عن النسيان، بل لشركائه في الولاية و إدارة المجتمع الإسلامي، هم الأئمة من ولده عليه و عليهم صلوات الله فجعل يملي على علي ((عليه السلام)) السنن و العلوم الإلهية و تفسير القرآن الكريم و تأويله و محكمه و متشابهه و ناسخه و منسوخه و خاصه و عامه و مطلقه و مقيده و... و ما مضى و ما يأتي، و جعل له وقتا خاصا بالليل و النهار يخلي له البيت، و كان ذلك كله صونا للعلوم الإلهية و الأحكام الشرعية عن أي سهو أو نسيان أو خطأ أو تحريف لأن المعصوم النبي العظيم ((صلى الله عليه و آله)) يملي و المعصوم ولي الأمر علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) يكتب، و من المعلوم إذا كان المملي معصوما و الكاتب معصوما كان الدين مصونا و محفوظا عن الخطأ و الزلل.
(١) كنز العمال ١٣٥: ١٠ و ما بعدها و: ١٨٢ و هذا الحديث متواتر عنه ((صلى الله عليه و آله)) و راجع الأضواء: ٦٥ و ما بعدها.