المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢٨٠ - الثانية
و في تلك الآونه مرّ بياع السوس [١] و هو يقرع الفنجان بالفنجان و ينادي: (برّد يا عطشان) ، فأوقفه الشيخ في الباب و أمر لنا بقصعة مما في ظرفه الأسود الردغ [٢] ، و قال يطمنني: لا تتقزز للظاهر!كلّ شيء طاهر، ثمّ مد يده إلى رزمة من الكتب تحت الديوان فأخذ منها كتابا، و نفض عنه الغبار و هو يقول: هذا سفر جليل أحب أن تطالعه، أهديكه ذكرى لزيارتك مكتبتي.
فقبلته شاكرا، و قرأت ما على الجلد فإذا بالآية إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللََّهِ اَلْإِسْلاََمُ [٣] فخطر لي فكر، و لكنّي تذكرت ما جاء في الكتاب الكريم:
و لا تتساءلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [٤] .
و فطنت إذ ذاك أنّني في غور [٥] من المدينة بعيد القرار، و أنّ دون منزلي سراديب و أخاديد لا يرمقها «قمر» [٦] البلدية بشيء من نوره فقمت أعتذر، فقال سيدي الأستاذ: لا أدعك و اللّه ترجع وحدك، أما المسجد فها هو في وجه هاته المكتبة، تعال غدا.
فدهش الشيخ لهذه الدعوة، و بهت و أومأ إلى الأستاذ فكلمه كلمة في الزاوية، ثمّ خاطبني مجاملا مستغفرا متعذرا ملحنا ملغزا، فأراحه و أراحني
[١] السوس: شجر معروف في عروقه حلاوة و في فروعه مرارة، و هو ببلاد العرب كثير. (تاج العروس ج ٨ ص ٣٢١، مادّة «سوس» ) .
[٢] الردغ: الماء و الطين و الوحل الكثير الشديد (لسان العرب: ج ٥ ص ١٨٩، مادّة «ردغ» ) .
[٣] سورة آل عمران ٣: ١٩.
[٤] كذا و الصحيح لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ سورة المائدة ٥: ١٠١.
[٥] الغور: القعر من كلّ شيء. (تاج العروس: ج ٧ ص ٣٢٤) .
[٦] كانت بلديّة بيروت لا تنوّر أسواقها في الليالي المقمرة.