المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٣٠ - و إليك ما نروم
و نقيس الفرد منّا على الفرد.
هذه ريحانياتك الأريجة، و جونة [١] افكارك العبقة، الآن قد فتحتها لهذه الغاية؛ أعني لأنظر أنّها هل هي سليمة مما نقدته عليّ؟فما طويت منها صحيفة أو صحيفتين حتّى وقع بصري على قولك في صفحة (٦٣) من جزئها الأوّل ما هذا حرفه:
«يتصاعد منها الدخان على الدوام في النهار و في الليل» [٢] . انتهى.
أفما كان قولك: على الدوام، يغني عن قولك: في الليل و النهار؟ و هل الدوام إلاّ النهار و الليل؟!أم هل هذا إلاّ ما نقدته على اسلوبنا الإنشائي؟أليس هذا هو ذاك بعينه؟!.
و لو أردنا أن نجمع من كتابك مثل هذا، و من كتب الكاتبين من الأقدمين و العصريين، لجئنا منه بشيء كثير، هو في جنب غيره يسير.
و لكنّنا لا نكتمك الحقيقة؛ أنّنا لا نعدّه نقصا في كمال الكلام و حسن اسلوبه، بشرط أن يقع في موقعه، و يقوم في مقامه.
و ما مثل من يريد الكلام خاليا من هذه الزوائد و التعاليق دائما، إلاّ كمن يريد بقاء الإنسان عاريا ابدا، فإنّه أقلّ كلفة، و أخف مؤنة، و الإنسان إنسان بنفسه لا بثيابه و ما عليه؛ أعني أنّ الملابس لا تنقصه و لا تزيده، و لا تقعد به عن أيّ شغل و عمل يريده، و لكن هل يروق لأحد ذلك؟.
أو ليس الإنسان ربّما يستوحش من نفسه و ينقبض من ذاته عن تلك الحالة المرغوب عنها، حتّى مع عزل النظر عن كلّ شيء و عن كلّ أحد.
[١] الجونة: سليلة مستديرة مغشّاة أدما تكون مع العطارين، و هي التي يعد فيها الطيب و يحرز (لسان العرب: ج ٢ ص ٤٢٨) .
[٢] الريحانيات: في مقالته: فوق سطح نيويورك (ج ١ ص ١٢٩) .