المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢١٧ - ردّ الشيخ على انتقادات أنستاس الكرملي
مَخْضُودٍ*`وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ*`وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ [١] .
فإنّ الكلام هو هكذا و ليس غيره و ما جاء السجع إلاّ من عمود الكلام و أصل الديباجة، لا من تطريزها و تفويفها [٢] ، و ادخال شيء عليها.
ألا ترى أنّك لو أردت أن تزيل السجع لجاء الكلام ظاهر فيه أنّه معكوس عن سيره الطبيعي و خلقه القويم، كما لو قلت: (في مخضود سدر. و منضود طلح. و ممدود ظل) ، فتكون قدمت الصفة على الموصوف و هو عدول عن الأصل من غير مسوّغ على أنّه خروج عن النظام الطبيعي في نفس الأمر الواقع، لا أنّه خروج عن القواعد العربية و الاصطلاحات النحوية فقط.
و كذلك لو أردنا أن نبدّل تلك الأسجاع بمرادفاتها فنقول: (في سدر منعطف. و طلح مثمر أو مزهر. و ظل منبسط) ، لفاتت من الكلام مزايا كثيرة أقلّها العدول عن فرائد الألفاظ الفصحى المصونة إلى العامية المبتذلة الغسيلة، بل ربّما يكون التبديل، و التقديم و التأخير، كالمستحيل في بعض الجمل، لرصانتها و استحكام مبانيها كقوله تعالى: مََا أَغْنىََ عَنِّي مََالِيَهْ* `هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ [٣] .
و مثله قول النبي صلوات اللّه عليه: «الأرواح جند مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف» [٤] .
[١] سورة الواقعة ٥٦: ٢٨-٣٠.
[٢] الفوف: ثياب رقاق من ثياب اليمن موشّاة، و برد مفوّف: رقيق أو فيه خطوط بيض. (لسان العرب: ج ١٠ ص ٤٢١ مادّة «فوف» ) .
[٣] سورة الحاقّة ٦٩: ٢٨-٢٩.
[٤] انظر: صحيح البخاري: ج ٤ ص ٢٦٨، كتاب الأنبياء باب الأرواح جند مجندة،