المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٥٠ - و إليك ما نروم
كلّ هذه الكتابة لا تخلو من غرابة، و ما أدري أيّ فقرة من كتابي كانت تدل و تشير إلى أن ليس في القرآن المجيد شيء إلاّ و هو حكم عام لكل البشر في كلّ الازمان، بينما نحن نكرر القول: إنّ فيه الأمثال و العظات، و التاريخ، و علم الفلك، و علم التوحيد، و أمثال ذلك؟
نعم، أشرنا أو صرّحنا أنّ أحكامه التشريعية-من عبادات و معاملات و جزائيات و أحكام؛ أعني سياسة المدن و تدبير النفس و المنزل-هي شرائع مطابقة لروح العدل، و جوهر العقل، و نواميس الفضيلة، فلا يمكن أن يؤتى بأحسن منها، بل و لا بمثلها، و أنّه لو سارت الممالك الإسلامية عليها بل و سائر الممالك، لساروا في صراط مستقيم لا يرون فيه عوجا و لا أمتا [١] و هي موافقة لروح كلّ عصر و لسعادة كلّ أمّة من الأمم، لا أخصّ العرب و العجم؛ لأنّه الوسط، و الوسط واحد. و هو خير الأمور بل الخير كلّه، و من أجل ذلك كانت هذه الشريعة خاتمة الشرائع و أكمل الأديان، و نبيها خاتم الأنبياء، دون ما سبق من الشرائع، فإنّها مقدّرة بحسب تلك الظروف الخاصة و الأزمنة المحدودة. و هي كالتمهيد و الإرهاص [٢] لما بعدها [٣] .
إذا فأين يتعلق نقضكم علينا بحديث عائشة، و حاطب، و أبي لهب؟ و هلاّ نقضتم علينا بقصة آدم و إبليس، و إبراهيم و نمرود، و قارون و هامان،
[١] الأمت: العوج، و الانخفاض، و الارتفاع، و في التنزيل: لاََ تَرىََ فِيهََا عِوَجاً وَ لاََ أَمْتاً أي لا ارتفاع و لا انخفاض. سورة طه ٢٠: ١٠٧. (راجع تاج العروس: ج ٣ ص ٦، مادّة «أمت» ) .
[٢] الإرهاص: الاثبات، يقال: أرهص الشيء: إذا أثبته و أسّسه. (تاج العروس: ج ٩ ص ٢٩٤ مادّة «رهص» ) .
[٣] راجع الدين و الإسلام: ج ٢ ص ٤٤-٤٧.