المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢١٦ - ردّ الشيخ على انتقادات أنستاس الكرملي
و هكذا على سجعة الباء إلى ما يقرب من سواد صفحة، ثمّ قلت:
«الصابئة ديانة تغيّرت على كرّ الأعصار، و تبدّلت متنقلة من أطوار إلى أطوار؛ بموجب ما حلّ بها من الأغيار؛ أو بموجب ما طرأ في عصرها من الطوارئ الكبار، أو الأديان السائدة في تلك الأقطار، فتفرّع منها فروع عديدة، و اتّسعت فشملت شيعا غير زهيدة... منذ عهد عهيد، و الاحتفاء بها عيدا بعد عيد» .
و لو اتّسع معنا المجال لجمعنا لك من مقالاتك في المشرق وحده ما يريك العجب العجاب و يعرفك و غيرك التسجيع المعاب، و ما يقصع اللهاب و يطيل العذاب، إلى آخر تلك القوافي.
و لكن الأولى بنا ترك المخاضة في هذه الأوحال المتعبة. و أن نخوض بدلا عنها في حديث علمي عسى أن ننتفع به و يستفيد فيه من يبتغي الدخول في صناعة الإنشاء، إن شاء اللّه.
إنّ التسجيع تختلف مراتبه حسب مراتب الكلام من البلاغة و حسب منزلته من البيان، و جمهرة القول فيه، و ضابطة النبأ عنه: إن التسجيع قد يكون هو البلاغة نفسها، و البيان بذاته، و ذلك حيث ينساق على سوق الكلام الطبيعي، و يجري على نسق النظام الواقعي، و تقع كلّ واحدة من مفردات الألفاظ في الوقع الذي تستحقه بنسبة معناها من معانيه، بحيث لو أردنا أن نبطل التسجيع و نقدّم و نؤخر في الكلام، لأخلّ في فصاحته و وقع الكلام مشوشا، و عقد نظامه محلولا، و لدخل عليه التعقيد و الإبهام فضلا عن ذهاب مائه و روائه، و لظهر عليه أنّه مقلوب به عن وجهه، و محوّل عن أصل فطرته، و مجرى طبيعته، و نموذج ذلك قوله تعالى: فِي سِدْرٍ