المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢٦٢ - الأولى صديقي الأعزّ
[ثلاث مقالات للريحاني]
[الأولى] صديقي الأعزّ [١]
إن لم تحاسب نفسك سرا، حاسبك غيرك جهرا.
لي صديق من علماء المسلمين، حرّ الكلمة، شديد العارضة، كثير المعارضة، لا يوارب [٢] و لا يصانع و لا يحابي، يصدق في الجدال، و يصلب في القتال، منيع عنيد مريد، يؤمن باللّه، و لا يؤمن بسواه، يخالف لا ليعرف بل لينصف و ينصف، فينتزع الحقيقة من بين جنبيك اذا جنّت على شيء هناك، أو يريك أنّها بعيدة منك، غريبة عنك، و إنّ حياتك بدونها كالطل في الصحراء، كالكتابة على الماء.
صديق من أعز الإصدقاء، بل أعزهم و أيم اللّه لديّ، و أقربهم إليّ؛ إلى ذاتي المعنوية العلوية المجردة، إلى قدس الأقداس فيها.
و هو لا يزورني إلاّ في عثرة من عثرات النفس، أو كبوة من كبوات القلم، أو سقطة من سقطات الفعل و العمل، و قد جاءني منذ أيام يناقشني الحساب، فسلّم و جلس، و أشعل سيكارته و طلب فنجانا من القهوة، و بدأ باسم اللّه:
«لم أكن في المدينة ليلة خطبت خطبتك (روح الثورة) ، و لو كنت لما حضرت الحفلة، لأنني أفضل قراءة المفيد من الخطب على استماعها،
[١] نشر المقال في (مجلّة الفنون) نيويورك الجزء الخامس، السنة الاولى، آب ١٩١٣ م كما في هامش الريحانيات: ج ١ ص ٣٠٢.
[٢] المواربة: المداهاة و المخاتلة (لسان العرب: ج ١٥ ص ٢٦٥، مادّة «ورب» ) .