المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢٥٩ - ردّ الشيخ على انتقادات أنستاس الكرملي
و يتريثوا في الحكم، و يكون أكثر همهم، و أكبر علمهم، في التصحيح أكثر منه في الفساد، و إلى التقويم أرغب منهم إلى الإسقاط و أن يكون جهدهم في نشر الحسنات لا في تكلّف السيئات، فإن وقفوا على ما يتراءى لهم لحنه، أو يبدو لهم فساده، فليتطلبوا له الجوازات، و يفحصوا له الوجوه و الرخص، عسى أن يجدوا له مصرفا في اللغة، و جوازا في العربية، أو مساغا في مسارح العلوم، و مطارح العقول إن كان منها ليأمنوا من ملامة غير مليم، و مذمّة غير ذميم، فإن أعيى و تعذر ذلك وجب التنبيه عليه حرصا على الفضيلة، و صونا للحقيقة، و تقديسا للعلم عن الكتمان، و لكن كما يجب التنبيه عليه، و الإصحار به، يجب أيضا أن يكون ذلك بحكمة، و على وجه اللطف و الموادعة، و الحسنى و المجاملة، و بطريق اللباقة، و حسن الصنيعة، و الإرشاد و الدلالة، لا على وجه الإيذاء و الإقذاع، و التشفي باشاعة الفحشاء، إذ ليس الغرض إلاّ خدمة العلم و الحقيقة لا أن يثأر الإنسان لنفسه، و ينتقم لغيظه، و يتشفى ممن جعله الهوى و الغرض عدوا له، و هو أخوه من وجوه أكثرها جوهرية لا تدفع، و ثابتة لا تزول.
نعم، و كلّ ذلك لا يتسنى إلاّ بما قلناه من رفع العصبية و الشخصيات، و رفض التحزبات و الجنسيات، و لا سيما عند النقد و المناظرة، و الجدل و الخصومة، فهذه قبل كلّ شيء، (و النقد عند الحافرة) [١] ثمّ: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ* [٢] .
[١] مثل يضرب معناه: النقد عند السبق، و الحافرة الارض التي حفرها بقوائمه، و أصل المثل في الخيل ثمّ استعمل في غيرها و يقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أوّل كلمة أو عند أوّل ما التقوا (جمهرة الامثال: ج ٢ ص ٣١٠، و مجمع الامثال: ج ٣ ص ٣٧٨، و لسان العرب: ج ٣ ص ٢٣٧) .
[٢] سورة الانعام ٦: ١٦٤، و آيات أخر.