المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢٠٨ - ردّ الشيخ على انتقادات أنستاس الكرملي
فما كان وراء ذلك كلّه إلاّ أن ألقي إليّ العدد الذي ذكر فيه «الجزء الثاني» ، فإذا هو يجسّم لنا روح التعصب، و يمثل لنا هيكل التحامل، و يصوّر لنا تماثيل الأهواء و الأغراض، و أوثان الحيف [١] و الجنف [٢] ، و يشتمنا بالطاهر و النجس، و المنبوذ و القذر، ممّا كنّا نظن من المستحيل أن يلوّث (لغة العرب) به، و إن لم تمنعه حشمته و صونه عن ذلك، فرهبنته لا تسمح له به-ثمّ إنّي لم أراجعه بشيء، و قلت:
أنا لا أعتبه في ما جرى # صفح اللّه له عن ذنبه
و ها أنا أورد هنا نقوده و ما يسنح لي في جوابها، لا لأنّي أريد أن أنزه نفسي عن الغلط، أو أدعي لها العصمة من الشطط-معاذ اللّه-فإنّني لا أزال أعرف و أعترف أنّني أكثر الكاتبين غلطا، و أبعدهم فيه شوطا، و لكنّي أبتغي أن أدلّ المنصفين، بل أدلّ صديقنا و دخيل وطننا (أنستاس) نفسه على ما دبّ في نقوده من روح التعصّب الذميم، و الغرض الشائن، الذي ستر عنه جمال الحقيقة، و حجب دونه وجه الصواب.
و أقصى غرضي من تنبيهه على ذلك، أن أسدّ بابا من الجور الأدبي، و الحيف العلمي، فلا يظلم الكاتبين-بعد-و المؤلفين شروى [٣] ظلامتي، بل يعدّل خطة نقده و يقيم من وزن قوله، و لا يطفف الناس في كيله.
و أنا واثق أنّه سوف يكون هو أوّل من يشكر لي هذه الصنيعة و يعتدّ لي في الآداب بهذه الشريعة، و اللّه-سبحانه-أسأل أن يعصمني من
[١] الحيف: الجور و الظلم. (لسان العرب: ج ٣ ص ٤٢٠ مادّة «حيف» ) .
[٢] الجنف: الميل في الكلام و في الأمور كلّها، و جنف عليه: مال عليه في الحكم.
(لسان العرب ج ٢ ص ٣٨٤ مادّة «جنف» ) .
[٣] شروى الشيء: مثله. (لسان العرب: ج ٧ ص ١٠٤ مادّة «شري» ) .