المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٤٣ - و إليك ما نروم
عند أهل مكّة، و مشركي العرب، و جبابرة قريش، الذين أخرجوه من وطنه، و طردوه من أعزّ البلاد عليه، و فعلوا فيه الأفاعيل، و تربّصوا به الدوائر، و آذوه بما لم يؤذ به نبيّ قط [١] ، و كان حسب العادة-لو لم يكن نبيّا على خلق عظيم-أنّه لو ظفر بهم و تمكن منهم لانتقم منهم أسوأ الانتقام، و لا سيّما اذ ملكهم عنوة، و أوجف [٢] عليهم بالخيل و الركاب، و لكنّه-سلام اللّه عليه-ضدّ ذلك، لمّا ملكهم بالفتح المبين في فتح مكّة بان و تجلّى من حلمه و سجاحة خلقه و كرم طباعه ما يكفيه عن كلّ معجزة، و يقوم له عن كلّ برهان و آية، و عند ذلك طابت نفوس قريش، و ذهبت حزازات صدورهم، و حرارات قلوبهم، و غفرت ذنوب محمّد ٦ عندهم التي ينعونها عليه، و يرزؤنها [٣] منه؛ من سبّ آلهتهم، و إفساد صبيتهم بزعمهم، و تسفيه حلومهم، إلى كثير من مثله.
نعم، فتح اللّه ذاك الفتح لنبيه، و مكّنه من أعدائه ذلك التمكين، ليظهر مقامه المنيع، و شأوه الباذخ الذي يتعذّر أو يتعسّر مثله عادة في الطبائع البشرية.
فتح له ذاك الفتح، و أظهر منه ذلك الحلم، و المكانة العظمى من العفو عند المقدرة، كلّ ذلك ليغفر اللّه له ذنوبه عند قريش، و تعود سيئاته عندهم حسنات، و مساويه مكرمات مكرّمات، و يعلموا أنّ جميع ما كانوا يعدّونه
[١] قال ٦: «ما أوذي أحد ما أوذيت» اخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، و ابن عساكر في تاريخ دمشق عن جابر كما في كنز العمّال: ج ٣ ص ١٣٠.
[٢] أوجف إيجافا: أسرع في سيره، و الوجيف: ضرب من السير سريع، و المعنى:
أنّه ملكهم بالغزو و القوّة.
[٣] رزأه ماله ورزئه يرزؤه فيها رزءا: أصاب منه شيئا و نقصه. (لسان العرب ج ٥ ص ٢٠٠ مادة «رزأ» ) .