المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٢١ - و إليك ما نروم
ليتهم تركونا بتلك التي يسمّونها-اليوم-بالوحشيّة و الهمجيّة، و البال معها هادئ، و الجأش بها طامن، و العيش فيها هنيء، و الفكر لها ساج [١] و القلب صفر من الأحزان خلو من الهموم، كأنما هو صحيفته التي لا تجد فيها و لا نقطة سوداء من أوزار الغدر، و جرائم الاغتيال و المكر.
أحاشيك-أيها الفاضل و أنستاس-أن توعزوا إلى تلك المدنية، و تقصدوا منها تلك السفاسف [٢] و الزخارف التي ماهي-إن طلبت حقيقتها -إلاّ كما يصنعونه هم انفسهم في السينماتوغراف من الصور المتحركة، التي هي كسراب بقيعة يحسبها الظمآن ماء [٣] و لا يجد به رواء، و لا يزداد به إلاّ عطشا.
حاشاكم من الاعتداد بذلك، و أنتم-على حدّ علمي-روحيين [٤] أكثر منكم ماديين، و إلهيّين أقوى منكم طبيعيين.
على أني ما أنا بأوّل من فتح باب الطعن على تلك المدنية المجهدة، و لا أقول: التعيسة، مخافة أن تستاء أنت و الأب انستاس، و أنتما العزيزان عليّ.
ما أنا بأوّل من نهج هذا الدرب، و دخل هذا المدخل. و لو أردت أن
[١] سجا البحر و غيره فهو ساج: سكن. (لسان العرب ج ٦ ص ١٨٤، مادّة «سجا» ) .
[٢] السفاسف: جمع السفساف؛ و هو الأمر الرديء و الحقير من كلّ شيء، و سفاسف الأمور: سواقطها و توافهها، شبّهت بما دقّ من سفساف التراب. (لسان العرب: ج ٦ ص ٢٨٤ مادّة «سفف» ) .
[٣] اقتباس من قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مََاءً حَتََّى إِذََا جََاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً... الآية ٣٩ من سورة النور.
[٤] [منصوب على الحالية على حدّ قوله (و نحن صعاليك انتم ملوكا) ]ما بين المعقوفتين من المصنّف قدّس سرّه.