المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٣١ - و إليك ما نروم
و لا يبعد أن يكون الكلام هكذا؛ له جسم و روح و ملابس هي زينته و حليته، و ربّما يكون في بعض الأحوال بدونها سمجا مذؤوما [١] و مرغوبا عنه ذميما.
و للإيجاز مقام، و للإطناب مقامات، و لو أردت أن أدلّ على ذلك، و أميز تلك المقامات، و أفردها بعضها عن بعض، لخرجت إلى باب واسع من أبواب علمي المعاني و البيان، و لعلّ في الإشارة التي تقدمت كفاية، إن شاء اللّه.
و أنا واثق أنّك و الأب أنستاس-بعد ملاحظة ما ألمعنا إليه من استقصاء ذلك في مظانّه، و توسيع النظر في أمثال خطب نهج البلاغة، و كلمات قسّ بن ساعدة [٢] ، و أمثاله من مشاهير الخطباء-سوف تجدان ما لا يسعكم فيه إلاّ التسليم بالغفلة عن أنّ ذلك ضروريّ؛ أعني أنّ اشتمال الخطب الحماسية التي يطلب بها التأثير في الإحساس و تحريك الشعور و تهييج العواطف؛ اشتمالها على ما يمكن الاستغناء عنه بحسب جوهر الكلام و بالنظر إلى مجرد ذاته، هو أمر لا بدّ منه، و تركه مخلّ بالبلاغة؛ لأنّه لا يؤثّر الأثر المطلوب منه و المرغوب. و في هذا مقنع لمن أراد و أنصف،
[١] ذأم الرجل يذأمه ذأما: حقّره و ذمّه و عابه، و قيل: حقره و طرده، فهو مذؤوم.
(لسان العرب ج ٥ ص ١٨ مادّة «ذأم» ) .
[٢] هو قس بن ساعدة بن عمرو-ينتهي نسبه إلى إياد-خطيب العرب و شاعرها و حليمها و حكيمها في عصره يقال: إنّه أوّل من علا على شرف و خطب عليه، و أوّل من قال في كلامه: (أمّا بعد) ، و أوّل من اتكأ عند خطبته على سيف أو عصا، أدركه رسول اللّه ٦ قبل النبوة و رآه بعكاظ فكان يأثر عنه كلاما سمعه منه، و سئل عنه فقال: «يحشر أمّة وحده» توفّي نحو (٢٣ ق. هـ) .
(الأغاني: ج ١٥ ص ٢٣٦) .
غ