المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٨٠ - و إليك ما نروم
و العاجز المستعبد، فضلا عن كونها حصنا و عيبة لما لا يحتمل المكان و الزمان نشره، و لا تستطيع الأمزجة الضعيفة هضمه و نضجه، تلك الطباع الجافّة، و الأذهان الكثيفة.
و لا أحسبك-أيّها الفاضل!-إلاّ أنّ قلمك الجوّال قد طغى عليك، فجرى في حديث المتشابهات بما جرى. و لو كان عنانه في يدك و رقابتك لجاء بما هو أنقى ديباجة و أعذب مجاجة [١] .
يا هل ترى أنّ يراعك حين جرى بتلك المجاري، و خاض في تلك السيول، قد غاب عنه الحكمة في اختلاف طبقات البشر، و عدم استواء الخلائق؟و أنّ بهذا تمّ النظام و انتظمت الأكوان، و لو لا ذلك لتلاشى هذا المحيط، و لعدنا في عوالم أخرى ما أدري كيف هي؟و ما هي؟
نعم، لعدنا في نشأة أخرى، و لا أظنّها إلاّ كهذه النشأة في اختلاف الطبقات، و عدم تساوي الجهات.
أيريد يراعك أن يكون الناس أمّة واحدة، كلّها سواء في العلم و شرع في المعرفة، إذا فهلاّ تساووا أوّلا في الخلائق و الغرائز و السجايا و الطبائع، و الصباحة و الملاحة، و تناسب الخلق، و تلائم التراكيب.
ثمّ هلاّ تساووا في الغنى و الفقر، و القوة و الضعف، و الصحّة و السقم، و الغباوة و الفطانة، إلى أضراب ذلك ممّا لا أحصيه.
و ليس جعل البشر سواء في هذه الخلال إلاّ إبطالا للحكمة، و أن لا يكون هذا الكون هو هذا الكون على أنّه هو. و هذا هو التمانع بعينه،
[١] المجاجة: الريق تمجّه من فيك. و مجاجة الشيء: عصارته. و مجاج النحل:
عسلها. (لسان العرب، ج ١٣ ص ٢٦، «مجج» ) .