كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٣٣ - فصل مما يتعلق بفضل بني هاشم
ما لا يوجد مع البخيل الموسر و الذليل المكثر اللذين يجعلان البشر وقاية دون المال و ليس في الأرض خصلة تدعو إلى الطغيان و التهاون بالأمور و تفسد العقول و تورث السكر إلا و هي تعتريهم و تعرض لهم دون غيرهم إذا قد جمعوا من الشرف العالي و المغرس الكريم العز و المنعة مع إبقاء الناس عليهم و الهيبة لهم و هم في كل أوقاتهم و جميع أعصارهم فوق من هم على مثل ميلادهم في الهيئة الحسنة و المروءة الظاهرة و الأخلاق المرضية و قد عرفت الحدث العزيز من فتيانهم و ذوو الغرامة من شبانهم أنه إن افترى لم يفتر عليه و إن ضرب لم يضرب ثم لا تجده إلا قوي الشهوة[١] بعيد الهمة كثير المعرفة مع خفة ذات اليد و تعذر الأمور ثم لا تجد عند أفسدهم شيئا من المنكر إلا رأيت في غيره من الناس أكثر منه من مشايخ القبائل و جمهور العشائر و إذا كان فاضلهم فوق كل فاضل و ناقصهم أنقص نقصانا من كل ناقص فأي دليل أدل و أي برهان أوضح مما قلته و قد علمت أن الرجل منهم ينعت بالتعظيم و الرواية في دخول الجنة بغير حساب و يتأول القرآن له و يزاد في طمعه بكل حيلة و ينقص من خوفه و يحتج له بأن النار لا تمسه و أنه ليشفع في مثل ربيعة و مضر و أنت تجد لهم مع ذلك العدد الكثير من الصوام و المصلين و التالين الذين لا يجارهم أحد و لا يقاربهم.
كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُصَلِّي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ وَ كَذَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ع.
مع الحلم و العلم و كظم الغيظ و الصفح الجميل و الاجتهاد المبرز فلو أن خصلة من هذه الخصال أو داعية من هذه الدواعي عرضت لغيرهم لهلك و أهلك.
اعلم أنهم لم يمتحنوا بهذه المحن و لم يتحملوا هذه البلوى إلا لما قدموا من العزائم التامة و الأدوات الممكنة و لم يكن الله ليزيدهم في المحنة إلا و هم يزدادون على شدة المحن خبرا و على التكشف تهذيبا.
[١] و في نسخة« القلب» بدل« الشهوة».