كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٢٥٣ - ليلة الهرير
بطلاقة وجهه اليوم العبوس و يذل بسطوة بأسه الأسود السود و الفرسان الشئوس و يخجل بأنواره في ليل القتام الأقمار و الشموس فما لقي شجاعا إلا و أراق دمه و لا بطلا إلا و زلزل قدمه و لا مريدا إلا أعدمه و لا قاسطا إلا قصر عمره و أطال ندمه و لا جمع نفاق إلا فرقه و لا بناء ضلال إلا هدمه
وَ كَانَ كُلَّمَا قَتَلَ فَارِساً أَعْلَنَ بِالتَّكْبِيرِ فَأَحْصَيْتُ تَكْبِيرَاتِهِ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ فَكَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ وَ ثَلَاثاً وَ عِشْرِينَ تَكْبِيرَةً بِخَمْسِمِائَةٍ وَ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ قَتِيلًا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ وَ قِيلَ إِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَتَقَ نَيْفَقَ دِرْعِهِ[١] لِثِقَلِ مَا كَانَ يَسِيلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى ذِرَاعِهِ وَ قِيلَ إِنَّ قَتْلَاهُ عُرِفُوا فِي النَّهَارِ فَإِنَّ ضَرَبَاتِهِ كَانَتْ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ إِنْ ضَرَبَ طُولًا قَدَّ أَوْ عَرْضاً قَطَّ وَ كَانَتْ كَأَنَّهَا مِكْوَاةٌ بِالنَّارِ.
قال كمال الدين بن طلحة فما تحلى بهذه المزايا و الخلال و لا أبلى بلاؤه المذكور في النزال و لا صدرت منه هذه الأفعال إلا عن شجاعة تذل لها الأبطال و تقل لديها الأهوام و لا تقوم بوصفها الأقلام و الأقوال و لا يحتاج في تحققها أن يثبتها الاستدلال و على الجملة و التفصيل فمقام شجاعته لا ينال و ما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ و لما أسفر صبح ليلة الهرير عن ضيائه و حسر الليل جنح ظلمائه كانت القتلى من الفريقين ستة و ثلاثين ألف قتيل هكذا نقله مصنف كتاب الفتوح و مؤرخ الوقائع التي نقلها بألسنة أقلامه فهي في الرواية منسوبة إليه العهدة فيها عند تتبعها عليه و هذه الوقائع المذكورة مع أهوالها الصعاب و صيالها المصلى لظى الطعان و الضراب هي بالنسبة إلى بقايا وقائع صفين كالقطرة من السحاب و الشذرة من السحاب انتهى كلام ابن طلحة.
قلت
وَ فِي صَبِيحَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَظْهَرَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ ع وَ لَاحَتْ لَهُمْ أَمَارَاتُ الظَّفَرِ وَ عَلَائِمُ الْغَلَبِ وَ زَحَفَ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ وَ اشْتَدَّ الْقِتَالُ سَاعَتَئِذٍ وَ رَأَى عَلِيٌّ ع أَمَارَاتِ النَّصْرِ مِنْ جِهَةِ الْأَشْتَرِ فَأَمَدَّهُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ حِينَ رَأَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ذَلِكَ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ إِنِّي أَعْدَدْتُ لِهَذَا الْوَقْتِ رَأْياً أَرْجُو بِهِ تَفْرِيقَ كَلِمَتِهِمْ وَ دَفْعَ هَذَا الْأَذَى الْمُعَجَّلِ قَالَ مُعَاوِيَةُ وَ مَا
[١] نيفق الدرع: الموضع المتسع منه.