كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ١٧٢ - في وصف زهده في الدنيا و سنته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
يَوْماً وَ قَدْ أَحْدَقَ بِهِ النَّاسُ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ[١] هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ شَرَّهَا بِخَيْرِهَا وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يَصْفُهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَ لَمْ يَضَنَّ بِهَا[٢] عَلَى أَعْدَائِهِ وَ هِيَ دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مُسْتَقَرٍّ وَ النَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا وَ رَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا إِنِ اعْذَوْذَبَ[٣] مِنْهَا جَانِبٌ فَحَلَا أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى[٤] أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حُزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ فَالْإِنْسَانُ فِيهَا غَرَضُ الْمَنَايَا مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ[٥] وَ مَعَ كُلِّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ لَا يُنَالُ مِنْهَا نِعْمَةٌ إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى.
و كلامه ع في الدنيا و صفتها و التنبيه على أحوالها و معرفتها و كثرة خدعها و مكرها و تنوع إفسادها و غرها و إيلامها بنيها و ضرها كثير جدا و هو موجود في تضاعيف الكتب و في نهج البلاغة فيستغنى بما هناك عن ذكرها هنا لئلا
[١] قال ابن أبي الحديد: قوله عليه السلام« فانها منزل قلعة» بضم القاف و سكون اللام اي ليست بمستوطنة، و يقال: هذا مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج الى ان يقوم مرة بعد مرة و يقال هم على قلعة اي على رحلة، و من هذا الباب قولهم فلان قلعة إذا كان ينقلع عن سرجه و لا يثبت في البطش و الصراع. و القلعة ايضا: المال العارية.
و النجعة: طلب الكلاء في موضعه، و فلان ينتجع الكلا و المنتجع: المنزل في طلب الكلاء و منه انتجعت فلانا إذا اتيته تطلب معروفه.
[٢] ضن بالشيء: بخل به.
[٣] اعذوذب اي صار عذبا.
[٤] امر الشيء: صار مرا. و أوبى اي صار وبيا و لين الهمز لاجل السجع و في تهج البلاغة هكذا:« ان جانب منها اعذوذب و احلولى، امر منها جانب فأوبى».
[٥] الشرق: دخول الماء في الحلق حتّى يغص به و الشرق بالماء و الريق و نحوهما كالغصص بالطعام.