كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٤٠٣ - فصل في ذكر مناقب شتى و أحاديث متفرقة أوردها الرواة و المحدثون و أخبار و آثار دالة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
قَالَ هِنْدٌ ثُمَّ انْطَلَقَ ذَوُو الطَّوْلِ وَ الشَّرَفِ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ لِيَرْتَئُوا وَ يَأْتَمِرُوا[١] فِي رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَسَرُّوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَ قَالُوا نَبْنِي لَهُ بُرْجاً نَسْتَوْدِعُهُ فِيهِ فَلَا يَخْلُصُ مِنَ الصُّبَاةِ إِلَيْهِ أَحَدٌ ثُمَّ لَا يَزَالُ فِي رَنِقٍ مِنَ الْعَيْشِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَنُونُ وَ أَشَارَ بِذَلِكَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ وَ أُمَيَّةُ وَ أُبَيُّ ابْنَا خَلَفٍ فَقَالَ قَائِلٌ كَلَّا مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ وَ لَئِنْ صَنَعْتُمْ ذَلِكَ لَيَتَمَنَّوْنَ لَهُ الْحَدَبَ وَ الْحَمِيمَ وَ الْمَوْلَى وَ الْحَلِيفَ ثُمَّ لَيَأْتِيَنَّ الْمَوَاسِمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِالْأَمْنِ فَلْيَنْتَزِعَنَّ مِنْ أُنْشُوطَتِكُمْ قُولُوا قَوْلَكُمْ.
فَقَالَ عُتْبَةُ وَ شَيْبَةُ وَ شَرِكَهُمَا أَبُو سُفْيَانَ قَالُوا فَإِنَّا نَرَى أَنْ نَرْحَلَ لَهُ بَعِيراً صَعْباً وَ نُوثِقُ مُحَمَّداً عَلَيْهِ كِتَافاً وَ شَدّاً ثُمَّ نَخِزُ الْبَعِيرَ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَيُوشِكُ أَنْ يَقْطَعَهُ بَيْنَ الدَّكَادِكِ إِرْباً إِرْباً فَقَالَ صَاحِبُ رَأْيِهِمْ إِنَّكُمْ لَمْ تَصْنَعُوا بِقَوْلِكُمْ هَذَا شَيْئاً أَ رَأَيْتُمْ إِنْ خَلَصَ بِهِ الْبَعِيرُ سَالِماً إِلَى بَعْضِ الْأَفَارِيقِ فَأَخَذَ بِقُلُوبِهِمْ بِسِحْرِهِ وَ بَيَانِهِ وَ طَلَاقَةِ لِسَانِهِ فَصَبَا الْقَوْمُ إِلَيْهِ وَ اسْتَجَابَتْ لَهُ القَبَائِلُ وَ سَارَ إِلَيْكُمْ فَأَهْلَكَكُمْ قُولُوا قَوْلَكُمْ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَكِنْ أَرَى أَنْ تَعَمَّدُوا إِلَى قَبَائِلِكُمُ الْعَشْرِ فَتَنْتَدِبُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْهَا رَجُلًا نَجْداً[٢] وَ تُبَيِّتُونَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ[٣] فَيَذْهَبُ دَمُهُ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ جَمِيعاً فَلَا يَسْتَطِيعُ قَوْمُهُ مُحَارَبَةَ النَّاسِ فَيَرْضَوْنَ حِينَئِذٍ بِالْعَقْلِ فَقَالَ صَاحِبُ رَأْيِهِمْ أَصَبْتَ يَا أَبَا الْحَكَمِ.
قُلْتُ وَ قَدْ وَرَدَ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ أَشَارَ بِهِ إِبْلِيسُ عَلَيْهِمْ وَ جَاءَهُمْ فِي زِيِّ رَجُلٍ مِنْ نَجْدٍ.
[١] ارتأى في الأمر: نظر و تدبره. و أتمروا بفلان: إذا هموا به و تشاوروا فيه.
[٢] انتدبه لامر فانتدب هو له: اي دعاه له فأجاب لازم متعد و رجل نجد اي شجاع ماض في ما يعجز غيره سريع الإجابة فيما دعى إليه.
[٣] قال الجزريّ: كان المشركون ينسبون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الى أبى كبشة، و هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الاوثان و عبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في عبادة الاوثان شبهوه به، و قيل انه كان جد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من قبل أمه فأرادوا انه نزع في الشبه إليه.