كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ١٢٥ - في فضل مناقبه و ما أعده الله تعالى لمحبيه و ذكر غزارة علمه و كونه أقضى الأصحاب
إلى ولاة كل زمان بدمائهم و الطعن في عقائدهم و منعهم حقوقهم بل بغضهم[١] و تطريدهم و تشريدهم حتى لعلك لا تجد مدينة من مدن الإسلام و لا جهة من الجهات إلا و فيها لطالبي دم مطلول[٢] و ثأر مطلوب تشارك في قتلهم الأموي و العباسي و استوى في إخافتهم العدناني و القحطاني و رضي بإذلالهم العراقي و الشامي لم يبلغ من الكفار ما بلغ منهم و لا حل بأهل الكتاب ما حل بهم هذا حال من قتل فأما من استبقي فليته أصاب القوت أو وجد البلغة و كيف و من أين يجدها و هو مهان مضطهد فقير مسكين قد عاداه الزمان و أرهقه السلطان و هذا الكلام و إن لم يكن من غرض كتابنا هذا فإن القلم جرى بسطره و الحال ساق إلى ذكره.
و أذكر شيئا من تأويلهم الذي استحقوا به العقاب و العذاب و خالفوا فيه السنة و الكتاب فإنهم عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فصرفوها عن محل مدلولها و حملوها على المؤمنين فإن أئمة التفسير و علماء الإسلام أجمعوا على أن قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ[٣] أنها نزلت في اليهود و هي مختصة بهم و ذكروا في سبب نزولها وجوها فقيل
لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص الْيَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَالُوا هَلُمَّ نُخَاصِمْكَ إِلَى الْأَحْبَارِ فَقَالَ بَلْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَأَبَوْا وَ قِيلَ بَلْ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ فَقَالَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالُوا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيّاً فَقَالَ هَلُمُّوا بِالتَّوْرَاةِ فَهِيَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ فَأَبَوْا وَ قِيلَ بَلْ لَمَّا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ رَجْمُ الزَّانِي فِي التَّوْرَاةِ قَالَ هَلُمُّوا بِالتَّوْرَاةِ فَهِيَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ فَأَبَوْا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ هَكَذَا ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي كِتَابِهِ أَسْبَابِ النُّزُولِ.
فقد اتفق الجميع أنها اختصت باليهود فجعلها الخوارج في المسلمين و أقاموها عمدة لهم و مرجعا في اتباع ضلالتهم و احتجوا بها في خروجهم من الطاعة
[١] و في بعض نسخ« بل بعضها».
[٢] أي مهدور لم يثار به.
[٣] آل عمران: ٢٣.