كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ١٧٤ - في وصف زهده في الدنيا و سنته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
يَدُوسُنَا دَوْسَ الْحَرْمَلِ يَسُومُنَا الْخَسْفَ وَ يُذِيقُنَا الْحَتْفَ هَذَا بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ قَدِمَ عَلَيْنَا فَقَتَلَ رِجَالَنَا وَ أَخَذَ أَمْوَالَنَا وَ لَوْ لَا الطَّاعَةُ لَكَانَ فِينَا عِزٌّ وَ مَنَعَةٌ فَإِنْ عَزَلْتَهُ عَنَّا شَكَرْنَاكَ وَ إِلَّا كَفَرْنَاكَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إِيَّايَ تُهَدِّدِينَ بِقَوْمِكِ يَا سَوْدَةُ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْمِلَكِ عَلَى قَتَبٍ أَشْوَسَ[١] فَأَرُدَّكِ إِلَيْهِ فَيُنْفِذَ فِيكِ حُكْمَهُ فَأَطْرَقَتْ سَوْدَةُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ
|
صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى رُوحٍ تَضَمَّنَهَا |
قَبْرٌ فَأَصْبَحَ فِيهِ الْعَدْلُ مَدْفُوناً |
|
|
قَدْ حَالَفَ الْحَقَّ لَا يَبْغِي بِهِ بَدَلًا |
فَصَارَ بِالْحَقِّ وَ الْإِيمَانِ مَقْرُوناً. |
|
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَنْ هَذَا يَا سَوْدَةُ قَالَتْ وَ اللَّهِ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع-: وَ اللَّهِ لَقَدْ جِئْتُهُ فِي رَجُلٍ كَانَ قَدْ وَلَّاهُ صَدَقَاتِنَا فَجَارَ عَلَيْنَا فَصَادَفْتُهُ قَائِماً يُصَلِّي فَلَمَّا رَآنِي انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ[٢] ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِرَحْمَةٍ وَ رِفْقٍ وَ رَأْفَةٍ وَ تَعَطُّفٍ وَ قَالَ أَ لَكِ حَاجَةٌ قُلْتُ نَعَمْ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَ عَلَيْهِمْ وَ أَنِّي لَمْ آمُرْهُمْ بِظُلْمِ خَلْقِكَ وَ لَا بِتَرْكِ حَقِّكَ ثُمَّ أَخْرَجَ قِطْعَةَ جِلْدٍ فَكَتَبَ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَاحْتَفِظْ بِمَا فِي يَدِكَ مِنْ عَمَلِنَا حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْكَ مَنْ يَقْبِضُهُ مِنْكَ وَ السَّلَامُ ثُمَّ دَفَعَ الرُّقْعَةَ إِلَيَّ فَوَ اللَّهِ مَا خَتَمَهَا بِطِينٍ وَ لَا خَذَمَهَا[٣] فَجِئْتُ بِالرُّقْعَةِ إِلَى صَاحِبِهِ فَانْصَرَفَ عَنَّا مَعْزُولًا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ اكْتُبُوا لَهَا كَمَا تُرِيدُ وَ اصْرِفُوهَا إِلَى بَلَدِهَا غَيْرَ شَاكِيَةٍ.
و كم له ص من الآثار و الأخبار و المناقب التي لا تستر أو يستر وجه النهار و السيرة التي هي عنوان السير و المفاخر التي يتعلم منها من فخر و المآثر التي
[١] القتب- محركة-: الرحل. و الاشوس: الطويل.
[٢] أي انصرف عنها.
[٣] حذم الشيء: قطعه.