فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٣ - الأمر الثالث
بأنفسها، مع قطع النّظر عن الاستعمال، بخلاف معاني الحروف، فانها معان إيجاديّة تتحقّق في موطن الاستعمال، من دون ان يكون لها سبق تحقق قبل الاستعمال، نظير المعاني الإنشائيّة الّتي يكون وجودها بعين إنشائها، كإيجاد الملكيّة بقوله بعت، حيث انّه لم يكن للملكية سبق تحقق مع قطع النّظر عن الإنشاء، و معاني الحروف تكون كذلك بحيث كان وجودها بنفس استعمالها، و ان كان بين الإنشائيّات و الإيجاديّات فرق على ما سيأتي بيانه، فالحروف وضعت لإيجاد معنى في الغير، على وجه لا يكون ذلك الغير واجدا للمعنى من دون استعمال الحرف، كما لا يكون زيد منادى من دون قولك يا زيد، و يكون النّسبة بين ما يوجده الحرف من المعنى و بين المعاني الاسميّة المتقرّرة في وعاء العقل نسبة المصداق إلى المفهوم.
مثلا يكون النّداء مفهوم متقرّر عند العقل مدرك في وعاء التّصور و هو من هذه الجهة يكون معنى اسميّا، و قد جعل لفظة النداء بإزائه، و امّا النّداء الحاصل من قولك يا زيد، فهو انّما يكون مصداقا لذلك المفهوم، و يتوقّف تحقّقه على التّلفظ بقولك يا زيد، بحيث لا يكاد يوجد مصداق النّداء و صيرورة زيد منادى إلّا بقولك يا زيد، فلفظة (ياء النّداء) انّما وضعت لإيجاد مصداق النّداء، لا انّها وضعت بإزاء مفهوم النّداء، كما يدّعيه من يقول بعدم الفرق بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي، و كذا الحال في سائر الحروف، حيث انّها بأجمعها وضعت لإيجاد المصاديق. مثلا لفظة (الابتداء) وضعت بإزاء المفهوم المتقرّر عند العقل، و امّا لفظة (من) فلم توضع بإزاء ذلك المفهوم، بل وضعت لإيجاد نسبة ابتدائية بين المتعلّقين. و قول النّحاة: من انّ (من) وضعت للابتداء لا يخلو عن تسامح، بل حقّ التّعبير ان يقال: انّ لفظة (من) وضعت لإيجاد النّسبة الابتدائية، و تلك النّسبة الابتدائية الّتي توجدهما لفظة (من) لا يكاد يمكن ان يكون لها سبق تحقّق في عالم التّصوّر نعم يمكن تصوّرها بوجه ما، أي بتوسط المفاهيم الاسميّة، كان يتصوّر الواضع النّسبة الابتدائية الكذائية الّتي توجد بين السّير و البصرة، و هذه كلّها مفاهيم اسميّة قد توصل بها إلى معنى حرفي فوضع لفظة (من) بإزاء ذلك المعنى الحرفي المتصوّر بتلك المفاهيم.
فتحصل: انّ النّسبة بين المعاني الحرفية و المعاني الاسمية، هي النّسبة بين