فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٥٥ - (الأمر الثالث)
المسألة هو الحجّة.
و بالجملة: الحجّة هو الطّريق الواصل ليس إلّا، و من هنا كانت أصالة العموم متبعة عند الشّكّ في المخصّص و لو كان هناك مخصّص في الواقع، فانّه حيث لم يصل الخاصّ إليه كان العموم هو المرجع و الحجّة فعلا.
إذا عرفت ذلك، ظهر لك الوجه في عدم الأجزاء عند تبدّل الاجتهاد، فانّ حقيقة تبدّل الاجتهاد ليس إلّا تبدّل الإحراز، حيث كانت الطّرق و الأصول واقعة في مرتبة الإحراز، فتبدّل اجتهاده عبارة عن تبدّل حجّته و طريقه و إحرازه، و انّه إلى الآن كان الحجّة هو العامّ، و الآن صار الحجّة هو الخاصّ، فيكون حاله حال تبدّل الإحراز العلمي بغيره، و ليس حال ما قام عليه الطّريق إلّا حال متعلّق العلم عند مخالفته للواقع، من حيث عدم إيجاب العلم في المتعلّق شيئا من مصلحة أو مفسدة، بل هو باق على ما هو عليه قبل تعلّق العلم، و لا يوجب تبدلا في الواقع، فكذا الحال في متعلّق الطّريق، فلا فرق بين تعلّق العلم بشيء و بين تعلّق الطّريق به، و كذا لا فرق بين تبدّل العلم و تبدّل الطريق، فلا معنى للفرق بينهما من حيث الأجزاء و عدمه، فكلّ من قال بعدم الأجزاء عند تبدّل العلم يلزمه القول بعدم الأجزاء عند تبدّل الاجتهاد. هذا إذا لم يعمل في استنباطه بعض الظّنون الاجتهاديّة.
و امّا إذا أعمل ذلك، كما هو الغالب، حيث انّ الاستنباط غالبا يتوقّف على الاستفادة و إعمال الرّأي في الجمع بين الأدلّة و مقدار مفادها، فعدم الأجزاء يكون ح أوضح، لأنّ تبديل الاجتهاد في مثل هذا يرجع في الحقيقة إلى عدم صحّة الاجتهاد الأوّل، و عدم استناده إلى حجّة شرعيّة، بل هو مستند إلى فهمه و رأيه و هو ليس حجّة شرعيّة.
ثمّ انه لا فرق فيما ذكرنا بين القول بالسّببيّة أو الطّريقيّة، لأنّ المراد من السّببيّة على وجه لا ترجع إلى التّصويب هو انّها توجب مصلحة سلوكيّة، لا انّها توجب مصلحة في المؤدّى، و من المعلوم: انّ المصلحة السّلوكيّة لا تقتضي الأجزاء مع انكشاف الخلاف، فانّ المراد من المصلحة السّلوكيّة هي مصلحة تدارك الواقع، حيث انّ الشّارع لمكان نصبه الطّرق في حال تمكّن المكلّف من الوصول إلى الواقع