فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٧٦ - الأول
ثبوت الحكم بمجرّد تحقّق العاقل البالغ المستطيع، و لا يعقل ان يتخلّف عنه، فلو توقّف ثبوت الحكم و فعليّته على قيد آخر كعدم قيام الأمارة على الخلاف مثلا يلزم تخلف المنشأ عن الإنشاء، لأنّا فرضنا انّ ذلك القيد لم يؤخذ في إنشائه، بل إنشاء الحكم على خصوص العاقل البالغ المستطيع، فإذا وجد العاقل البالغ المستطيع و لم يوجد الحكم يلزم ان لا يوجد ما أنشأه و هو محال، إذ لا يعقل تخلّف المنشأ عن الإنشاء. و معنى عدم معقولية تخلّف المنشأ عن الإنشاء، هو انّه لا بدّ من ان يوجد المنشأ على طبق ما أنشأ و على الوجه الّذي أنشأه، فلو أنشأ الملكيّة في الغد فلا بدّ من وجود الملكيّة في الغد، و لا يعقل ان تتقدّم عليه أو تتأخّر عنه، بان توجد الملكيّة قبل الغد أو بعد الغد، لأنّه يلزم تخلّف المنشأ من الإنشاء، إذ الّذي أنشأ هو خصوص ملكيّة الغد لا غير، فكيف تتقدّم الملكيّة على الغد أو تتأخّر عنه؟
و حاصل الكلام: انّه لو كان زمام المنشأ بيد المنشئ و له السّلطنة على إيجاده كيف شاء و بأيّ خصوصيّة أراد كما هو مفروض الكلام، فحينئذ يدور المنشأ مدار كيفيّة إنشائه، فله إنشائه في الحال كما في البيع الفعلي فلا بدّ ان يتحقّق المنشأ في الحال و إلّا يلزم التّخلف، و له ان ينشئه في الغد فلا بدّ ان يكون البيع في الغد و إلّا لزم التّخلّف. و ليس الإنشاء و المنشأ من قبيل الكسر و الانكسار التّكويني، بحيث لا يمكن ان يتخلّف زمان الانكسار عن الكسر، كما ربّما يختلج في بعض الأذهان، و لأجل ذلك تخيّل انّه لا يعقل تخلّف زمان وجود المنشأ عن زمان وجود الإنشاء، فكيف يعقل ان يكون إنشاءات الأحكام أزليّة و منشئاتها تتحقق بعد ذلك عند وجود موضوعاتها في الخارج؟ مع انّه يلزم ان يتخلّف زمان الإنشاء عن زمان وجود المنشأ لأنّه لا يمكن ان يتخلّف زمان الوجود عن الإيجاد، و زمان الانكسار عن الكسر، و لأجل هذه الشّبهة ربّما وقع بعض في إشكال كيفيّة تصوّر كون إنشاءات الأحكام أزليّة مع عدم وجود منشئاتها في موطن إنشائها، هذا.
و لكن لا يخفى ضعف الشّبهة، و انّ قياس باب الإنشائيات بباب التّكوينيّات في غير محلّه، فانّ في التّكوينيّات زمان الانكسار ليس بيد الكاسر، بل الّذي بيده هو الكسر و امّا الانكسار فيحصل قهرا عليه.