تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٦٧ - كرب كرب
فقال جَرِيرٌ:
أَقُولُ و لَمْ أَمْلِكْ سَوابِقَ عَبْرَةٍ # مَتى كانَ حُكْمُ اللََّهِ في كَرَبِ النَّخْلِ
انتهى. قال ابْنُ بَرِّيّ: ليس هََذا الشَّاهِدُ الّذِي ذَكرهُ الجَوْهَرِيّ مَثَلاً، و إِنّما هو عَجُزُ بَيْتٍ لِجَرِيرٍ، فذكره، قال ذلك لَمَّا بَلَغَهُ أَنّ الصَّلَتانَ العَبْدِيَّ فَضّلَ الفَرَزْدَقَ عليه في النَّسَب [١] ، و فَضَّل جَرِيراً عليه في جَوْدَة الشِّعْر، في قوله:
«أَيا شاعراً... »
إِلى آخره، فلم يرْضَ جَرِيرٌ قولَ الصَّلَتانِ، و نُصْرَتَهُ الفَرزْدَق.
قال ابْنُ مَنْظُور: قلتُ هََذه مُشاحَّةٌ من ابنِ بَرِّيّ للجَوْهَرِيّ في قوله: «ليس هََذا الشّاهد مثلا، و إِنّما هو عَجُزُ بيتٍ لجَرير»، و الأَمثالُ قد وردت شِعْراً و غيرَ شعرٍ، و ما يكون شِعراً لا يمتنع أَن يكونَ مثلاً. انتهى.
و للشّيخ عليّ المَقْدِسيّ هُنا في حاشيته كلامٌ يقرُبُ من كلام ابْن منظور، بل هو مأْخوذٌ منه، نقله شيخُنا، و كفانا مُؤْنَةَ الرَّدِّ عليه.
و الكَرَبُ : الحَبْلُ الّذي يُشَدُّ على الدَلْوِ بعد المَنِينِ، و هو الجبلُ الأَوّلُ، فإِذا انقطع المَنِينُ، بَقِيَ الكَرَبُ . و قال ابْنُ سِيدَهْ: الكَرَبُ : الحبْلُ الّذِي يُشَدُّ في وَسَطِ ، و في أُخْرَى:
على وَسَطِ العَرَامِيّ، أَي: عَرَاقِي الدَّلْوِ، ثُمّ يُثْنَى، ثُمّ يُثَلَّثُ لِيَلِيَ. في الصَّحاح: لِيكونَ هو الّذي يَلِي الماءَ، فلا يَعْفَنُ الحَبْلُ الكَبِيرُ ، و الجَمْعُ أَكْرَابٌ [٢] .
قال ابنُ منظورٍ: رأَيتُ في حاشيةِ نُسْخَةٍ من الصَّحاح الموثوقِ بها قولَ الجوهريّ: «لِيكونَ هو الّذي يَلِيَ الماءَ، فلا يَعْفَنُ الحبلُ الكَبِيرُ، إِنّما هو من صِفَةِ الدَّرَك لا الكرب ».
قلت [٣] : الدّليل على صحّة هذه الحاشية أَنَّ الجوهريّ ذكر في ترجمة درك هََذه الصُّورة أَيضاً. فقال: و الدَّرَكُ:
قطعة حَبْلٍ، يُشَدُّ في طَرَفِ الرِّشَاءِ إِلى عَرْقُوَة الدَّلْو، ليكون هو الّذي يلِي الماءَ، فلا يَعْفَنُ الرِّشاءُ. و سنذكره في موضعه.
قلتُ: و مِثْلُه في كِفاية المُتَحَفِّظ و كلامُ المُصَنِّفِ في الدَّرَك، قريبٌ من كلام الجوهريّ في كونِ كِلَيْهِما بمعنًى.
و قال الحُطَيْئَةُ:
قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجارِهِمُ # شَدُّوا العِنَاجَ و شَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا [٤]
و أَوّلُه:
سِيرِي أَمامِي فإِنّ الأَكْثَرِينَ حَصًى # و الأَكْرَمِينَ إِذا ما يُنْسَبُونَ أَبَا
و آخِرُهُ:
أُولَئكَ الأَنْفُ و الأَذْنَابُ غَيْرُهُمُ # وَ مَنْ يُسَاوِي بأَنْفِ النّاقَةِ الذَّنَبَا
و أَنشدني غيرُ واحدٍ من شيوخنا قول العبّاس بْن عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ:
مَنْ يُساجلْنِي يُساجِلْ ماجِداً # يَمْلأُ الدَّلْوَ إِلى عَقْدِ الكَرَبْ [٥]
و قد كَرَبَ الدَّلْوَ ، يَكْرُبُها ، كَرْباً و أَكْرَبَها ، فهي مُكْرَبَةٌ ؛ و كَرَّبَها ، بالتّشدِيد. قال امْرُؤُ القيس:
كالدَّلْوِ بُتَّتْ عُرَاهَا وَ هْيَ مُثْقَلَةٌ # و خَانَها وَذَمٌ مِنْها وَ تَكْرِيبُ
و مثلُهُ في هامش الصِّحاح. زادَ ابنُ منظورٍ: على أَنّ التَّكْرِيب قد يجوزُ أَن يكونَ هنا اسْماً، كالتَّنْبِيت [٦] و التَّمْتِينِ و ذََلك لِعَطْفِها على الوَذَم الّذي هو اسْمٌ، لََكنَّ البابَ الأَوّلَ أَوسعُ و أَشيعُ.
[١] اللسان: النسيب.
[٢] و في المجمل و المقاييس: الكرب عقد غليظ في رشاء الدلو يجعل طرفه في عرقوة الدلو ثم يشد ثنايته رباطاً وثيقاً.
[٣] القائل ابن منظور، تتمة كلامه في اللسان.
[٤] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله العناج، قال الجوهري: و العناج في الدلو العظيمة حبل أو بطان يشد في أسفلها ثم يشد إلى العراقي فيكون لها عونا و للوذم، فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج فإذا كانت الدلو خفيفة فعناجها خيط يشد في إحدى آذانها إلى العرقوة ا هـ و أنشد هذا البيت».
[٥] البيت في اللسان (سجل) و نسبه إلى الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب.
[٦] عن اللسان، و بالأصل «كالتثبيت»و بهامش المطبوعة المصرية: «قوله كالتثبيت كذا بخطه».