تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٢٨ - عزب عزب
غيرَ وَارِدٍ و لا مَسْمُوع، أَو قَلِيلٌ أَجَازَه غيرُه و استدَلَّ ١٦- بحَدِيث :
«ما في الجَنَّةِ أَعْزَبُ ». و رجلان عَزَبان ج أَعْزَابٌ كسَبَبٍ و أَسبابٍ، وَ هِيَ أَي الأُنْثى عَزَبَةٌ و عَزَبٌ ، محرَّكَة فيهما، أَي لا زوجَ لها، نقله القَزَّاز في جامعِ اللّغَة.
و قال الزَّجَّاج: العَزَبة بالهَاء غَلَطٌ من أَبي العَبَّاس، و إِنما يقال: رجل عزَبٌ و امرأَة عزَب ، لا يُثَنَّى و لا يُجْمَع و لا يُؤَنَّث، لأَنَّه مصدر، كما تَقُولُ: رجل خَصْم و امرأَة خَصْم، قال الشاعِرُ في صِفَة امرأَةٍ:
إِذَا العَزَب الهوجَاءُ بالعِطْر نَافَحَتْ # بَدتْ شمْسُ دَجْن طَلَّةً مَا تَعَطَّرُ
و قال الراجز:
يا مَنْ يَدُلُّ عزَباً على عَزَبْ # على ابْنَةِ الحُمَارِسِ الشَّيْخ الأَزَبّ [١]
و في رِوَايَة:
على فَتِيتِ مِثلِ نِبْرَاسِ الذّهبْ
و أَشَار لمِثْلِ ما ذَكَره الزَّجَاج ابنُ دَرَسْتَوَيه، و نَقله ابنُ هِشَام اللَّخْمِيّ و أَبُو جَعْفَر اللَّبْلِيّ. قال شيخُنا في شرح نظم الفَصِيح: إِنَّ كلامَ الزّجّاج و مَنْ تَبِعَه فيه نَظَر ظَاهِر. أَمَّا أَوّلا فإنّه لم يَرِد كونُ العَزَب ، مَصْدَراً في كِتابٍ، و لا دَلَّ عليه شيءٌ مِن كلامِ العَرَب، و إِنَّمَا قالوا في المصدَر: العُزْبَةِ و العُزُوبَة ، بالضَّم فِيهِمَا، و أَمَّا ثَانِيا فإِنَّ الظاهِرَ فيه أَنَّه صِفَةٌ لا مصدَرٌ؛ لأَن فَعَلاً كما يَكُون مَصْدَراً عِنْدَ الصَّرْفِّيين لفَعِل المكسور اللاَّزِم كالفَرَح و الجَذَلِ [٢] يَكُون صِفَةً، كالحَسَن و البَطَل، و لَيْسَ خَاصًّا بأَوزانِ المَصْدر، و كونُه وَصْفاً هو الَّذِي تَدُلّ له قُوَّةُ كلامهم، و يُؤَيِّدُه كونُهم أَنَّثُوه بالهَاءِ، و هو الَّذِي اقتصرَ عليه الجَوْهَرِيُّ نقلاً عن الكِسَائِيِّ، و التَّفْرِقَةُ في كلامِهِم دَالَّةٌ عليه، و لو كَانَ مَصْدراً لذَكَرُوه مع المَصَادر عند عِدَادِها.
و أَمَّا ثالِثاً فإِنّ البيتَ الذي استَدلُّوا به ليس بِنَصٍّ في المُؤَنَّث، لاحْتِمال كَوْنه ضرورَةً و كونِ على بمعنى مع، ثمقَالَ: و على تَقْدِير ثُبُوتِه مُجَرَّداً من الهاء، كما حكاه المُصَنِّف و القَزَّاز و غيرُهما، يكون من الأَوْصَاف التي لم تَلْحَقْهَا الهاءُ شُذُوذاً، كرَجُل عَانس و امرأَة عَانِسٍ انتهى.
و الاسم العُزْبَةُ و العُزُوبَةُ ، مَضْمُومَتَيْن و يقال: إِنَّه لعَزَبٌ لَزَبٌ و إِنَّهَا لعَزَبَة لَزَبة و الفِعْلُ منه كَنَصَرَ عَزَب يَعْزُب عُزُوبَةً فهو عَازِب و جمعه عُزَّابٌ . و تَعَزَّبَ بعد التَّأَهُّل، و تعزّب فلانٌ زماناً ثم تَأَهَّل، و تَعزَّب الرجُلُ: تَركَ النَكَاح و كَذَلك المَرْأَة.
و العُزُوبُ : الغَيْبَةُ. قال تعالى: عََالِمِ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْزُبُ [٣] أَي لا يَغِيب عن عِلْمِه شيءٌ، و فيه لغتان عَزَب يَعْزُب كيَنْصُرُ و يَعْزِب كيَضْرِب إِذَا غَابَ.
و العُزُوب : الذَّهَابُ يقالُ: عَزَب عنه يعزُب عُزُوباً ، إِذَا ذَهَب، و أَعزَبَه اللََّهُ: أَذْهَبَه.
و المِعْزَابَةُ : مَنْ طَالَت عُزُوبَتُه حَتَّى مالَهُ فِي الأَهْلِ مِنْ حَاجَةٍ وَ مَنْ يَعزُب بِمَاشِيَته. قال الأَزهريّ: و ليس في الصِّفَاتِ مِفْعَالة غَيْر هَذِه الكَلِمَة. قال الفَرَّاءُ: ما كَان من مِفْعَال كانَ مُؤَنَثُه بغير هَاءٍ؛ لأَنه انْعَدَلَ عن النُّعوتِ انْعِدَالاً أَشَدَّ من صَبُور و شَكُور و ما أَشبهَهُما مما لا يُؤَنَّث، و لأَنَّه شُبِّه بالمَصَادِر لِدخُول الهَاءِ فيه. يقال: امرأَةٌ مِحْمَاقٌ و مِذْكَارٌ و مِعْطَارٌ. قال الأَزْهَرِيّ: و قد قِيلَ مِجْذَامَة إِذَا كَانَ قَاطِعاً للأُمور، جَاءَ على غَيْرِ قِيَاس و إِنَّمَا زَادُوا فيه الهَاءَ لأَنَّ العرب تُدْخِل الهاءَ في المُذَكَّرِ على جِهَتَيْن: إِحدَاهُمَا المَدْحُ، و الأُخْرَى الذَّمّ إِذَا بُولغَ في الوَصْفِ. و المِعْزَابَة دخَلَتْهَا الهَاءُ للمُبَالَغة، و هو عِنْدِي الرَجُلُ[الذي] [٤] يُكْثِر النهوضَ في مَالِه العَزِيب يَتَتَبَّع مَساقِطَ الغَيْث، و أُنُفَ الكلإِ، و هو مَدْح بالِغٌ على هَذَا المَعْنَى كالمِعْزَاب بإِسقاط الهَاء.
يقال عَزَب الرجُلُ بإِبلِه إِذَا رَعَاهَا بَعِيداً من الدار التي حَلَّ بِهَا الحَيُّ لا يَأْوِي إِلَيهم، فهو معْزابٌ و مِعْزَابَة ، و كُلُّ مُنْفَرِدٍ عَزَبٌ ، و المِعْزَابُ من الرجال أَيضاً: الذي تَعَزَّب عن أَهْلِه في مَالِه. قال أَبُو ذُؤَيب:
إِذا الهَدَفُ المِعْزَابُ صَوَّبَ رَأْسَه # و أَعْجَبَه ضَفْوٌ من الثَّلَّةِ الخُطْلِ
[١] قوله الشيخ الأزب أي الكريه الذي لا يدنى من حرمته. و الحمارس:
الشديد.
[٢] عن اللسان، و بالأصل «الجزل».
[٣] سورة سبأ الآية ٣.
[٤] زيادة عن اللسان.