الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٣٤٧ - الشيخ أبو سعيد أبي الخير (ره)
دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا و ثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي و يبتلي ليجزي. إنها لسريعة الذهاب و شيكة [١] الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، و احذروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها. و لا تسعوا في تعمير دار، و قد قضى اللّه خرابها، و لا تواصلوها، و قد أراد منكم اجتنابها. فتكونوا لسخطه متعرضين و لعقوبته مستحقين.
عن ابن عباس قال: سمعته «ص» يقول: أيها الناس بسط الأمل متقدم على حلول الأجل و المعاد مضمار العمل. فمغتبط بما احتقب غانم و مستيئس بما فاته من عمل نادم أيها الناس إنّ الطّمع فقر. و اليأس غنى. و القناعة راحة. و العزلة عبادة. العمل كنز. و الدنيا معدن و ما بقي منه أشبه بما مضى من الماء بالماء، و كل إلى نفاد و شيك، و زوال قريب، فبادروا و أنتم في مهل الأنفاس و جدة (مدة خ ل) الإخلاص قبل أن يؤخذ بالكظم فلا يغني الندم.
سبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن هو فوقها و سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها، و الغضب، حركة إلى الخارج و الحزن حركة إلى الداخل فيحدث عن الغضب السطوة و الانتقام لبروزه، و يحدث عن الحزن المرض و السقم لكمونه [٢] و لهذا يعرض الموت من الحزن و لا يعرض من الغضب.
من تفسير القاضي قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً الآيات [٣] قال: من أراد أن يعرف أعدا عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي، فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصّبا، و لم يلحقها ضعف الكبر و كانت معجبة رائقة المنظر غير مذلّلة في طلب الدنيا مسلمة عن دنسها لا شية بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه، فتحيا حياة طيبة و تعرب عما به ينكشف الحال و يرتفع ما بين العقل و الوهم من التداوي و النزاع.
قوله تعالى: وَ لَقَدْ فَضَّلْنََا بَعْضَ اَلنَّبِيِّينَ عَلىََ بَعْضٍ وَ آتَيْنََا دََاوُدَ زَبُوراً [٤] قال جار اللّه:
قوله: «و آتينا داود زبورا» دلالة على وجه تفضيل محمد «ص» و أنه خاتم الأنبياء، و أنّ امته خير الامم لأنّ ذلك مكتوب في الزبور، قال تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنََا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ [٥] أقول و من هنا يظهر وجه ضعف عطف قوله و آتينا على و لقد فضلنا إذ
[١] و شيكة من وشك الأمر أي سرع.
[٢] الكمون: الخفاء و كمون ذاته أي خفاياه.
[٣] البقرة الآية (٦٣) .
[٤] التوبة الآية (٦٣) .
[٥] الإسراء الآية (٥٧) .