الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٣١٨ - أخذه آخر فقال
يناديان يسمعهما خلق اللّه تعالى من الثقلين أيها الناس هلموا إلى ربكم، إنّ قلّ ما و كفى خير مما كثر و ألهى.
قال بعض العارفين أنّ اللّه تعالى جعل خزائن نعمه عرضة لمؤمليه و جعل مفاتيحها صدق نية راجيه: كتب ابن دريد على دفتره بخطه حسبي من خزائن عطاياه مفتوحة لمؤمليه، و من جعل مفاتيحها صحة الطمع فيه و عليه أيضا بخطه:
افوض ما تضيق به الصدور # إلى من لا تغالبه الامور
من كلام بعض الحكماء: الراضي بالدون هو من رضي بالدنيا. من أعرض عن خصومة لم يأسف على تركها. لا تتكل على طول الصحبة، و جدد المودة في كل حين، فطول الصحبة إذا لم يتعهد درست المودة. العاقل لا يشير على المعجب برأيه. العزفي المجالسة بقلة الكلام و سرعة القيام. ليس لماء الوجه ثمن.
قد يسمع الجاهل ما ذكره أصحاب القلوب من المبالغة و التأكيد في أمر النية و إنّ العمل بدونها لا طائل تحته كما قال سيد البشر: إنما الأعمال بالنيات، و نية المؤمن خير من عمله، فيظنّ هذا المسكين أنّ قوله عند تسبيحه أو تدريسه اسبح قربة إلى اللّه أو أدرس قربة إلى اللّه محتضرا معنى هذه الألفاظ على خاطره هو النية، و هيهات إنما ذلك تحريك لسان و حديث نفس أو فكر و انتقال من خاطر إلى خاطر و النية عن جميع ذلك بمعزل إنما النية انبعاث النفس و انعطافها و ميلها و توجهها إلى فعل ما فيه غرضها و بغيتها إما عاجلا و إما آجلا، و هذا الانبعاث و الميل إذا لم يكن حاصلا لها لم يمكنها اختراعه و اكتسابه بمجرد الارادة المتخيلة، و ما ذلك الا كقول الشبعان أشتهي الطّعام و أميل إليه قاصدا حصول تلك الحالة و كقول الفارغ أعشق فلانا و احبه و اعظمه بقلبي بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشّيء و ميله و توجهه إليه الا باكتساب أسبابه، فإنّ النفس إنما تنبعث إلى الفعل الذي يقصده و يميل إليه إجابة للغرض الموافق الملائم لها بحسب اعتقادها و ما يغلب عليها من الأحوال فاذا غلبت شهوة النكاح و اشتد توقان النفس إليه لا يمكن المواقعة على قصد الولد، بل لا يمكن الا على نية قضاء الشهوة فحسب و إن قال بلسانه أفعل السنة و أطلب الولد قربة إلى اللّه فخطرا معاني هذه الألفاظ بباله و محضرا لها في خياله. و أقول من هنا يظهر سر قوله «ص» : نية المؤمن خير من عمله فتبصره العاقل يكفيه الإشارة و اللّه ولي التوفيق.
من كلام بعض الحكماء أيسر شيء الدخول في العداوة، و أضعف شيء الخروج منها. إذا ذكر جليسك عندك أحدا بسوء فاعلم أنك ثانيه. من رفعك فوق قدرك فاتقه. ـ