الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٢٨٩ - و منها في المديح قوله
أمير المؤمنين هل طار عن كرسيه؟و لعمري أنّ الأمر كما قال بشار. و اعلم أنّ هذه الأبيات من رقيق الشعر غزلا و مديحا، و قد أذعن لها شعراء ذلك العصر، و ناهيك بهم و مع هذا تراها من السّلامة و اللّطافة في أقصى الغايات، و هذا هو الكلام الذي يسمّى السّهل الممتنع فتراه يطيعك و إذا أردت مماثلا له راغ عنك كما يروغ الثعلب، و هكذا ينبغي أن يكون الكلام، فإنّ خير الكلام ما دخل في الاذن بغير إذن، و أما البذاءة و التوعر [١] في الألفاظ فتلك امة قد خلت و مع ذلك فقد عيب على مستعمليها في ذلك الوقت أيضا.
قولهم انطباق مركز ثقل الأرض على مركز العالم على ما هو التحقيق يستلزم حركة الأرض بجملتها بسبب تحرك ثقيل عليها، يريدون تحركها خلاف جهة تحرك الثقيل كما يظهر بأدنى تخيل، لا إلى جهة حركته كما ظنّه بعض الفضلاء.
حكي الأصمعي قال: كنت أقرأ «السّارق و السّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه و اللّه غفور رحيم» [٢] و بجنبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟فقلت كلام اللّه قال:
أعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام اللّه فانتبهت فقرأت و اللّه عزيز حكيم، فقال أصبت هذا كلام اللّه فقلت: أ تقرأ القرآن؟قال: لا، فقلت: فمن أين علمت؟فقال: يا هذا عز فحكم فقطع فلو غفر و رحم لما قطع.
قال بعض الحكماء: من شرف الفقر أنك لا تجد أحدا يعصي اللّه ليفتقر، و أكثر ما يعصي المرء ليستغني. أخذ هذا المعنى المحمود الوراق فقال:
يا عائب الفقر الا تنزجر # عيب الغنى أكثر لو تعتبر
إنك تعصي لتنال الغنى # و لست تعصي اللّه كي تفتقر
قال بعض الحكماء: من ضاق قلبه اتسع لسانه.
و من كلامهم ينبغي للعاقل أن يجمع إلى عقله عقل العقلاء، و إلى رأيه رأي الحكماء فإنّ الرّأي الفذ [٣] ربما زل، و أنّ العقل الفرد ربما ضل.
قال الحسن البصري، يا من يطلب من الدنيا ما لا يلحقه أ ترجو أن تلحق من الآخرة ما لا تطلبه؟.
[١] التوعر في الكلام من وعر وعره أي حبسه عن حاجته و وجهته. الوعر: المكان الصلب و صعب السير.
[٢] المائدة الآية (٤٢) .
[٣] الفذ من الرأي: المنفرد و المستبد منه.