الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ١٦٢
و تلخيص الكلام أن التحدي بمثل هذه العبارة يقع على أربعة أساليب: الأول تعيين المأتي فقط، الثاني تعيين المأتي منه فقط، الثالث الجمع بينهما على أن يكون المأتي منه مقدما و المأتي به مؤخرا، و الرابع العكس و لا يخفى على من له بصيرة في نقد الكلام أنّ الأساليب الثلاث الأول مقبولة عند البلغاء، و الأخير مردود و يبقى ذكر المأتي منه بعد ذكر المأتي به حشوا هذا إذا جعل المأتي منه مفهوم المثل.
و أما إذا كان المأتي منه مكانا أو شخصا أو شيئا آخر مما لا يدل عليه التحدي فذكره مفيد قدم.
او أخر، و لذلك جوز العلامة صاحب الكشاف أن يكون من مثله متعلقا بفأتوا حيث كان الضمير راجعا إلى عبدنا. و الحاصل أنه إذا جعل المثل المأتي منه فاذا اريد الجمع بين المأتي منه و المأتي به فلا بد من تقديم المأتي منه على المأتي به، و لا يكون الكلام ركيكا و أما إذا كان المأتي منه شيئا آخر فالتقديم و التأخير سواء.
و ما يؤيد هذا المعنى ما أفاده المحققون في قول القائل عند خروجه من بستان المخاطب، أكلت من بستانك من العنب أنه لو: قال أكلت من العنب من بستانك، يكون الكلام ركيكا بناء على أنه لما قال أكلت من العنب علم أنه أكل من البستان، فقوله من بستانك يبقى لغوا و أما إذا قال: أولا من بستانك أفاد انه أكل من البستان بعد أن لم يكن معلوما و لكن بقي الإبهام في المأكول منه فلما قال من العنب رفع الإبهام. هذا و إن لم يكن مثالا لما نحن فيه لكن تنظير، إذا تأملت فيه تأنست بالمطلوب الذي نحن بصدده لا يقال، فعلى هذا جعله وصفا أيضا لغو بناء على أنّ التحدي يدل عليه.
لأنا نقول: لا شك أنّ التحدي يدل على أنّ السورة المأتي بها هي السورة المماثلة، فاذا قيل من مثله مقدما فيه إبهام و إجمال من حيث المقدار، فاذا قيل بسورة تعين المقدار المأتي به حينئذ و قوله بسورة لا يفيد إلا تعيين المقدار المبهم إذ بعد أن فهم المماثلة من صريح الكلام يضمحل دلالة السياق فلا يلاحظ قوله بسورة الا من حيث أنه تفصيل بعد الإجمال، فلا يكون في الكلام حشو مستغنى عنه، و إما إذا قيل مؤخرا فان جعلت وصفا للسورة فقد جعلت ما كان مفهوما بالسياق منطوقا في الكلام بعينه و هذا في باب النعت إذا كان لفائدة لا تنكر كما في قولهم أمس الدابر و أمثاله، و أما إذا جعلت متعلقا بفأتوا فدلالة السياق باقية على حالها إذ هي المقدمة على التصريح بالمماثل، ثم صرحت بذكر المماثلة فكأنك قلت فأتوا بسورة من مثله من مثله مرتين، على أن يكون الأول وصفا و الثاني ظرفا لغوا و هو حشو في الكلام بلا شبهة.
فان قلت فما الفائدة إذا جعلناه وصفا للسورة قلت: الفائدة جليلة و هي التصريح بمنشإ التعجيز فانه ليس الا وصف المماثلة، و عند ملاحظة منشأ التعجيز أعني المثلية يحصل الانتقال إلى