التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٦ - مقدمة التحقيق
العظمى فقيه طائفة الإماميّة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره)، فقد حاز من الفقه قصبه المعلّى و ارتقى من أثباج العلم أعلاها، فهو بحق المصداق الكامل لمن فرّع الفروع عن الأصول، و أرجع الصغريات إلى كبرياتها، و قد دأب على ذلك طيلة حياته.
و لم يفتأ مؤلّفا، محققا، للعلماء مربيا، و للفقهاء موجها و راعيا و حافظا، على رغم ما اشتملت عليه الفترة الزمنيّة التي عاشها ممّا يوجب اشتغال البال و تشتت الحال؛ من فتن و حروب داخليّة و خارجيّة، كآثار و مجترّات فتنة الزگرت و الشمرت، و ما جرّته مسألة المستبدّة و المشروطة، و تداعيات ثورة العشرين في العراق، و ما ترتب على الاحتلال البريطاني للعراق من ويلات على الشيعة عامّة؛ و على أهل العراق خاصة، و قد حاول بحنكته السياسيّة- قدر الجهد و الطاقة- تجنيب و إبعاد الحوزة العلميّة في النجف الأشرف عن كل ذلك، رغم دعمه الجلي للمقاتلين و المجاهدين المتوجهين لمقاتلة الإنجليز آنذاك، بل كان على رأس من أرسلهم لذلك ابنه السيد محمد [١]، و كان من خيرة أفاضل النجف الأشرف و علماءها، كل ذلك حفظا لكيان التشيع عن الضياع و التشتت، و توحيدا لصفّ المؤمنين في مقابلة العدوّ المشترك، و لذا فالتاريخ قد نقل لنا الكثير من رسائله لأطراف البلاد آنذاك من شيوخ العشائر و القبائل و العلماء و المشايخ و الوكلاء عنه في النواحي داخل العراق و خارجه يحثهم على الجهاد و الحركة ضد الاستعمار آنذاك [٢].
فكان بحقّ الفقيه في سياسته و السياسي في تدبيره لأمور الناس، كما كان على الصعيد الفقهي المبرّز بين أقرانه و معاصريه، بل قد اشتهر بذلك جدا حتى دان له
[١] و قد قال في رسالته للمجاهدين بعد أن أرسل ابنه السيد محمد: فإنّه لمّا دهم الخطب و استفحل البلاء و أعضلت النازلات على ثغور الإسلام ... ألا و إني رغبة إلى اللّه جلّ شأنه و ابتغاء مرضاته و حرصا على الدفاع عن دينه الأقدس و ناموسه الأعظم قد قدّمت إليكم أعزّ ما عندي و أنفس ما لدي ولدي و فلذة كبدي السيد محمد سلّمه اللّه تعالى، آثرتكم به مع مسيس حاجتي له و شدّة عوزي إليه ...، النجف الأشرف و حركة الجهاد؛ كامل سلمان الجبوري: ص ١٠٠.
[٢] راجع كتاب: النجف الأشرف و حركة الجهاد عام ١٩١٤ م؛ لكامل سلمان الجبوري- الطبعة الأولى سنة ١٤٢٢ ه، مطبعة العارف/ لبنان.