التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٢ - ثالثها باب الورود
فإنّ الدليل المعتبر لا يرفع الشك إلا تنزيلا، فهو حكومة لا ورود، فالرفع في الورود حقيقي و إن كان موقوفا على دليل الاعتبار، بخلاف الحكومة؛ فإنّه فيها تنزيلي.
ثمّ لا يخفى أنّ ارتفاع موضوع الدليل المورود قد يكون من جهة كونه مقيّدا بعدم الدليل الآخر الوارد، و قد لا يكون بسبب تقيده بعدمه بل من جهة كون موضوعه أمرا خاصا يرتفع قهرا بسبب ذلك الدليل، بيان ذلك: إنّ الورود على قسمين:
أحدهما: أن يكون اعتبار الدليل المورود مقيدا بعدم الوارد كما إذا قلنا: إنّ دليل أصل البراءة مقيد بعدم ورود دليل مفيد للعلم، أو ظني معتبر من جانب الشارع فبعد ورود الدليل الكذائي يرتفع الموضوع من جهة زوال قيده، فإنّه على هذا يكون الموضوع الشك المقيّد بعدم الدليل على الواقع.
الثاني: أن يكون الموضوع أمرا خاصا كما إذا جعلنا موضوع الأصل الحيرة أو عدم البيان كما هو كذلك بالنسبة إلى أصل التخيير و أصل البراءة العقلي، فبعد ورود الدليل المعتبر يرتفع ذلك الأمر الخاص قهرا، و لو لم يكن دليله مقيدا بعدم ورود هذا، بمعنى عدم كون التقييد منظورا فيه، و إلا فهذا أيضا يقيد في عالم اللبّ، ففي القسم الأول لا إشكال في تقديم الدليل على الأصل، و إن كان ظنيا؛ لأنّ الغاية للإصلاح أحد الأمرين من العلم أو الدليل المعتبر.
و أمّا القسم الثاني فالحق فيه أيضا ذلك، لكن ربّما يستشكل فيه بأنّ التحير مثلا موجود من حيث هو و دفعه بالدليل الظني فرع تقديمه و عدم معارضته بهذا الأصل، و إلى هذا نظر المحقق الأنصاري (قدس سره) في آخر باب الاستصحاب، حيث إنّه نقل عن بعضهم أنّ سرّ تقديم الأدلّة الاجتهاديّة عليه أنّ المراد من الشك عدم الدليل و التحير [١] في العمل، و مع قيام الدليل لا حيرة، و أورد عليه بأنّه لا يرتفع التحير و لا يصير الدليل قطعي الاعتبار في مورد الاستصحاب إلا بلحاظ الحكومة، و إلا أمكن أن يقال إنّ مؤدّى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة سواء كان هناك أمارة أو لا، و قال: لا تندفع مغالطة هذا الكلام إلا بما ذكرنا من طريق الحكومة،
[١] في نسخة (ب): و الحيرة.