التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٧٦ - تذييل يتعلق بالجمع العملي
و ربّما يذكر وجه آخر؛ و هو أنّ التبعيض مستلزم للمخالفة القطعيّة، و إن كان موجبا للموافقة القطعيّة أيضا، حيث إنّه عمل بكلّ من الدليلين، و ترك لكل منهما غير أنّه إنّما يتم إذا كان حقيّة مضمون أحد الخبرين معلوما بالإجمال، و أمّا مع عدم ذلك- كما هو الغالب- فلا يلزم ذلك، إذ يمكن أن يكون كلاهما كذبا، و يمكن أن يكون كلاهما صدقا، لكن كان المراد من كلّ منهما البعض على حسب ما عمل بهما إذا فرض كونهما ظاهرين، مثل قوله أكرم العلماء و لا تكرم العلماء.
و دعوى أنّه مع عدم العلم الإجمالي بمطابقة أحدهما للواقع أيضا يلزم المخالفة القطعيّة؛ لأنّ الحجّة غير خارجة عنهما، فالعمل بهما مستلزم لترك العمل بالحجّة.
مدفوعة بأنّه لا معنى لكون الحجّة أحدهما؛ إذ المفروض أنّ كلّا منهما واجد لشرائط الحجيّة، فالعمل بهما عمل بالحجّتين، و ليس هناك واقع مجهول حتى يلزم مخالفته من العمل بهما معا، و هذا واضح، و لا فرق في ذلك بين القول بالطريقيّة و السببيّة، فما قد يقال [من] أنّ الوجه المذكور تمام على القول بالسببيّة دون الطريقيّة كما ترى!
هذا؛ و ذكر بعض الأعلام [١] في وجه عدم صحّة الجمع العملي أنّ قاعدة الجمع بالمعنى المذكور مخصّصة بالأخبار العلاجيّة؛ لأنّ المتعارضين إمّا متعادلان، و قد ورد فيهما أخبار التخيير، أو متفاضلان و قد ورد فيهما أخبار الترجيح، و النسبة بينهما معا مع قاعدة الجمع هي العموم المطلق، و لو لوحظت النسبة بينهما و بين أدلّة الأحكام فالنسبة هي التباين؛ لأنّ نسبة مجموعهما بالنسبة إلى تلك الأدلة نسبة التباين، و إن كانت النسبة بينهما و بين كلّ من الطائفتين عموما مطلقا، فيجري حكم التباين، و لازمه التعارض و التساقط، فيرجع إلى أصالة البراءة و أصالة عدم وجوب العمل.
قلت: إنّه لاحظ النسبة بين نفس القاعدة و الأخبار، و جعلها عموما مطلقا؛ مع أنّها عموم من وجه- كما اعترف به سابقا- بناء على جعل الإمكان عنوانا في القاعدة، و أمّا ما ذكرنا من التخصيص فهو إنّما كان بلحاظ دليل القاعدة، و هو دليل حجيّة
[١] الميرزا الرشتي في بدائعه: فراجع ص ٤٠٨- ٤٠٩ منه.