التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٣٣ - البحث الأول في تعارض القطعيين و المختلفين
يحكم العقل- بعد عدم إمكانه لأجل المزاحمة- بالعمل بهما بقدر الإمكان و هو التخيير بينهما، و المفروض في المقام عدم شمول شيء من الدليلين لصورة المعارضة، لأنّهما لبّيّان مجملان.
نعم؛ لو كان على اعتباره دليل لفظي تعبدي أمكن دعوى شموله لصورة التعارض، و الحكم بالتخيير حسب القول به في تعارض الخبرين الظنيين من حيث السند، لكنّه ليس كذلك، مع إنّك ستعرف أنّ التخيير فيها أيضا إنّما هو من جهة الأخبار الغير الشاملة للمقام، و إلا فبمقتضى القاعدة: الحق التساقط فيهما أيضا لعدم إمكان شمول دليل الاعتبار- و لو كان لفظيا- لصورة التعارض لعدم إمكان إيجاب العمل بهما عينا حتى يجري التخيير العقلي، و لا أحدهما معينا؛ لعدم المعين، و لا مخيّرا؛ لأنّه خلاف ظاهر الدليل، إذ ظاهره وجوب العمل عينا، مع إنّه مستلزم لاستعمال اللفظ في معنيين على ما سيأتي بيانه.
ثمّ- على فرض التخيير- لا إشكال في نفي الثالث و إثبات القدر المشترك فيما إذا قال أكرم العلماء و لا تكرم الفساق، أو كان أحد الدليلين ظاهرا في الوجوب و الآخر في الاستحباب فإنّ العالم الفاسق إمّا محرّم الإكرام أو واجبه، و لا يمكن الحكم بإباحة إكرامه، و كذا لا يجوز الحكم بالإباحة في الصورة الثانية، بل يثبت مطلق الرجحان للموضوع المحكوم بوجوبه في أحد الخبرين، و استحبابه في الآخر.
و أمّا على القول بالتساقط فهل ينفي الثالث فلا يجوز الرجوع إلا إلى الأصل الموافق لأحدهما؟ أو لا؛ فيجوز الرجوع إلى الأصل و إن كان مخالفا لهما؟ و كذا هل يثبت القدر المشترك و هو مطلق الرجحان في المثال المذكور أو لا؟ لا إشكال فيما إذا علم إرادة أحد الظاهرين، و شكّ في تعيينه، لأنّ نفي الثالث و ثبوت القدر المشترك [١] حينئذ معلوم، و أمّا إذا احتمل عدم إرادة شيء منهما، و إن لم يكن الاضطرار في التأويل إلا بالنسبة إلى أحدهما لا بعينه، ففيه وجهان: من أنّ الظاهر إنّما يطرح بمقدار المعارضة، و المفروض أنّ كلّا منهما معاضد للآخر في إثبات القدر المشترك، و القدر المعلوم إنّما هو طرح أحد الظاهرين، فيؤخذ بهما في نفي الثالث
[١] في نسخة (ب): قدر مشترك.