القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٠٦ - فصل في علامات شطر الغبّ
وقد يقع الاستدلال على شطر الغب من وجوه مختلفة، فقد يقع من العادات وقد يقع من الأعراض.
والوقوع من العادات هو مثل أن يكون إنسان تكثر في بدنه الصفراء وعفونتها. ثم ترفه وترك رياضات واستعمل أغذية وأصنافاً من التدبير تولد البلغم، أو يكون الإنسان يكثر في بدنه البلغم وعفونته، ثم ارتاض كثيراً ويعرض لما يولد الصفراء من أصناف التدبير، أو أوجب السن فيه ذلك بأن شبّ بعد صبا وغلبة رطوبة، أو اكتهل بعد شباب وحدة مزاج.
وأما من الأعراض فمن مثل النبض والبول وبروز ما يبرز من القيء والبراز وحال النضج وعلاماته وحال للعطش وحال اللمس وحال القشعريرة والنافض وأحوال الأوقات والنوائب.
فأما النبض فيكون فيه أقل عظماً وسرعة وتواترأً مما يكون في الغب، وأقل في أضدادها مما يكون في البلغمية.
وأما البول فيكون بطيء النضج، والقيء فيكون مختلطاً من مرار وبلغم، والبراز مختلطاً من مرار وبلغم.
وأما حال التسخن والتبرد والعطش والقشعريرة والأوقات والنوائب فقد قلنا فيها وجب، وإنما يتوقع الوقوف على الغالب من الخلطين بالغالب من الدلائل، فإنه إن غلب البلغم كانت النوائب أطول والاقشعرار أقل والتضاغط وخصوصاً في النبض أقوى، والأطراف أسرع قبولًا للبرد في أوائل المرض وأبطأ نقاء على بردها والعطش أقلّ، وقيء المرار أقل والبول أشد بياضاً وفجاجةً، والعرق أقل والسن، أصبي أو شيخ، ومزاج البدن قد يدل عليه، وكذلك العادة وما يجري معها.
وإن غلبت الصفراء كانت النوائب أقصر والأطراف أسرع إلى التسخن والعطش وقيء المرار أكثر، والعرق أغزر، وربما مالت قشعريرته إلى شيء كالنافض، ويكون البول أشد صبغاً والسن أشب، ومزاج البدن قد يدل عليه وكذلك العادة وما يجري مجراها.
وإذا تساوى الخلطان توازنت الدلائل، وكانت قشعريرة صرفة تامة غير ناقصة ولا متعدّية إلى النقص.
وإذا كان التركيب بين الدائرة واللازمة وهي التي يخصها كثير من الناس باسم شطر الغب الخالصة، وكانت اللازمة هي البلغمية، كانت نافضاً وضعفاً لأن المادة الخارجة صفراوية، ولا معارض لها من جهة البلغم خارجاً معها فيما يوجب من نفض ولكنه يكون ضعف، وربما تكثر فيها البرد والقشعريرة حتى يغلظ في المنتهى كما تعلم وتكثر فيها حرارة الأحشاء والبطن مع برد الأطراف، ويكون النبض أشدّ صغراً وتفاوتاً، فإن كانت اللازمة هي الصفراوية لم يكن نافض ولا كثير قشعريرة ويكون النبض أعظم وأسرع، والكرب أشدُ وإن تركّبت الدائمتان لم يكن نافض البتّة، و يعرض للغب اللازمة أن تخف قبل البلغمية و إن لم تكن راجعة قبل رجوعها.