القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٧٥ - فصل في الحمى النهارية والليلية من البلغمية
استفراغ أكثرهم إلا بالدلك، وأحسن الوجوه في دلكهم أن يبدأ من الفخذين والساقين منحدراً من فوق إلى أسفل، يستعمل في ذلك مناديل خشنة ساحجة للجلد، ثم ينتقل إلى اليدين نازلًا من المنكب إلى الكفّ بحيث يحمّى الجلد، ثم الظهر والصدر، ثم يعاود الساقين ويرجع إلى النظام الأول، وتجعل نصف زمانهم للدلك ونصف زمانهم للتنويم إن أمكن.
وبالجملة قانون علاجهم تلطيف غير مسخّن جداً، ومما ينفعهم من الملطّفات مثل ماء العسل وخصوصاً مع قوة من الزوفا، أو من بزر الكرفس في الغدوات ونحوه. فإن كان هناك إسهال مفرط طبخت ماء العسل طبخاً أشدّ، فلا يسهل إلا قليلًا معتدلًا نافعاً، والسكنجبين المعسل أيضاً ينفعهم.
أما في الصيف ومع عادة شرب الماء البارد، فممزوجاً بالماء البارد، وفي الشتاء فيجب أن لا يسقوه البتة وليقتصروا على الماء الحار، وتناول الحار من الأشربة أفضل لهم، إلا عند ضرورة القيظ وشدة إكراب الحر، وأوفق ما يسقون للعطش السكنجبين العسلي، والشراب ينفعهم من أول الأمر، وخصوصاً إن كانت حمّاهم قوية، وقلما تكون وخصوصاً في المشايخ ولا بد لهم بعد الغذاء من شراب، ويجب عليك أن تراعي نبض صاحب هذه العلة دائمأ، فإذا رأيته أخذ في الضعف والسقوط بغتة أطعمته خبزاً مبلولًا بشراب ممزوج، إن لم يمنع ورم في الأحشاء، فإنه إذا قارن هذه العلة لم يكن للعلاج وجه ولا للرجاء موضع، أعني إذا حدث مثل هذا التغير في النبض، وهذا الإطعام مما يحتاجون إليه عندما يشتد الغشي، ولكن يجب أن يتبع ذلك دلكاً.
وأما الغذاء الذي يبيتون عليه، فماء الشعير، لا يزاد عليه إلا عند سقوط القوة، وإن زيد فخبز منقوع في جلاب أو ماء العسل والحمّام من أضرّ الأشياء لهؤلاء، والحار والبارد جداً من الهواء، فإن الحار لا يؤمن معه سيلان الأخلاط إلى الرئة والقلب وإلى الدماغ، والبارد يمنع نضجها ويزيد في تسديدها، فإن كان الخلط فيه صفراوية ما فإن سهل القيء وخف، كان نافعاً جداً، وبالجملة فإنه أولى بأن ينجح فيه.
علاج الحمى الغشيية الدقيقة الرقيقة يجب أن يضمد صدره بالصندل وماء الورد، وينعش بالغذاء قليلًا قليلًا، وليكن غذاؤه مثل الخبز المنقوع في ماء الرمان مبرد إن اشتهاه، وكذلك في ماء الفواكه، وإن احتيج للقوة، إلى المصوصات المتخذة من الفراريج بالخل، وماء الحصرم والبقول الباردة وخصوصاً الكسفرة كان نافعاً.
تدبير الليلية والنهارية تدبيرهما تدبير البلغميات لا خلاف فيها.