القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٣ - فصل في القانون في سقي السكنجبين وماء الشعير
العروق في الهواء البارد، وكثيراً ما يخطئ الأطباء في أمثال هؤلاء المرضى من وجه آخر، وذلك لأنهم يمنعونهم الغذاء في أول الأمر، فإذا شارفوا المنتهى وعلموا أن القوة تسقط غذوه في ذلك الوقت ضرورة، فيكونون قد أخطأوا من جهتين ولو أنهم غذوه في الابتداء وكان دلك خطأ وغلطاً، كان غلطاً دون هذا الغلط، ويعرض لأولئك المرضى أن يصيبهم نزلات فجة، ومرارية، وسهر لإقلاق عدم النضج، ويتقلقلون، ويتململون ويهدون وتضغط المواد قواهم، وتكثر بخاراتهم فيسمعون ما ليس، ويتقلبون في الفراش، ويتخيل لهم ما ليس، وترتعش وتختلج شفاههم السفلانية لوجع فم المعدة، وتحزن نفوسهم لثقل المعدة.
فصل في القانون في سقي السكنجبين وماء الشعير
إن ماء الشعير منه ما ليس فيه من جرم الشعير إلا كالقوة والصورة، وإنما يكون له مدخل في العلاج، ومطمع في النفع إذا كان قد استوفى الطبخ، وأجوده أن يكون الماء قدر عشرين سكرجة. والشعير سكرجة واحدة وقد رجع إلى قريب من الخمسين، ويؤخذ الأحمر الرقيق منه، فهذا هو الرقيق الني غذاؤه أقل، وترطيبه كثير وغسله وإخراجه الفضول، وإنضاجه كثير معتدل، ومنه ما فيه شيء من جرم الشعير ودقيقه، والأحب إلى في مثل هذا، أن لا يكون كثير الطبخ جداً، بل يكون طبخه بقدر ما يسلبه النفخ ولا يبلغ أن يلزجه شديداً، ومثل هذا أكثر غذاء، وأقل غسلًا وإنضاجاً، ويعرض له كثيراً أن يحمض في المعدة الباردة في جوهرها. وإن كان بها حر غريب من باب سوء المزاج كثير وماء الشعير قد يكون مطبوخاً من الشعير بقشره، وقد يكون مقشراً، وأجود السكنجبين عندي الذي يسوًى السكر فيه في القدر، ثم يصب عليه من الخل الثقيف خل الخمر قدر ما لا يعلو متون السكر بل يتركها مكشوفة ثم يجعل تحت القدر جمر هادئ أو رماد حار حتى يذوب السكر في الخل بغير غليان، ثم تلقط الرغوة ويترك ساعة ولا تكثر الحرارة حتى يمتزج السكر والخل ثم يصت عليه الماء قدر أصبعين، ويغلى إلى القوام والجمع بين السكنجبين وماء الشعير معاً مكرب مفسد في الأكثر لماء الشعير، ولا يجب أن يسقى ماء الشعير على يبس الطبيعة، بل يحقن قبلها فإن حمض في المعدة سقي الأرق منه، فإن حمض طبخ معه أصل الكرفس ونحوه فإن حمض أيضاً فلا بد من" مزج" شيء من الفلفل به، خصوصاً إذا لم تكن المادة شديدة الرقة والحرارة، وإذا كثر نفعها فقد يمزج به للمحرورين قليل خل خمر، ولكن إذا سقي السكنجبين بكرة فقطع الأخلاط، وهيأ الفضول للدفع اتبع بعد ساعتين ماء الكشك الرقيق المذكور، أولًا ليغسل ما قطعه ويجلوه، ويخرجه بعرق، وإدرار ولا ضير إن سقي السكتجبين عند العشي، وقد فارق الغذاء المعدة، وربما احتيج إلى تقديم الجلاب على ماء الشعير ليزيد في الترطيب. وذلك إذا رأيت يبساً غالباً على البدن واللسان، وربما احتيج أن يقدم قبلهما لتليين الطبيعة شيئاً من ماء التمر الهندي كل ذلك بساعتين.