القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٢ - فصل في تغذية هؤلاء المحمومين
ابتدائها إلى منتهاها، خففت الشغل على القوة، وسلطتها على المادة، ولم تشغلها بالغذاء الكثيف بل لطفت التدبير، ولو بترك الطعام أصلًا وخصوصاً في يوم البحران.
وإن رأيت المرض حاداً ليس جداً، بل حاداً مطلقاً فيجب أن يلطف لا في الغاية إلا عند المنتهى، وفي يوم البحران خاصة إلا بسبب عظيم، وإن رأيت المرض مزمناً أو قريباً منَ المزمن، لم تلطف التدبير فإن القوة لا تسلم إلى المنتهى مع تلطيف التدبير، لكنه يلزمك مع ذلك في جميع الأصناف أن يكون أول تدبيرك أغلظ، وآخر تدبيرك الموافي للمنتهى ألطف، وتتدرّج فيما بين ذلك حتى تكون القوة محفوظة إلى قرب المنتهى، فهناك ترسل على المادة ولا تشغل بغيرها.
وإذا علمت أن القوة قوية في بما أوجب الحال أن يقتصر على الجلاب، ونحوه ولو أسبوعاً وخصوصاً في حمّيات الأورام فإن خفت ضعفاً اقتصرت على ماء الشعير، وإذا أشكل عليك الحال في المرض فلم تعرفه، فلأن تميل إلى التلطيف أولى من أن تميل إلى الزيادة مع مراعاتك للقوة والاحتمال. والذي زعم أن التغذية والتقوية في المرض الحاد أولى لأنه لا معين للنضج، وفي يدك الاستفراغ متى شئت فعلته الطبيعة أو لم تفعل، فقد عرفناك خطأه بل إذا خفت سقوط القوة، فالتغذية أولى، ومن الأبدان أبدان مرارية تقتضي تدبيراً مخالفاً لما قلنا، وخصوصاً إذا كانت معتادة للأكل الكثير، فإنهم إذا لم يغذوا، ولو في نفس ابتداء الحمى بل في أصعب منه وهو وقت المنتهى، لم يخل حالهم من أمرين لأنهم إن كانوا ضعاف القوى، غشي عليهم فماتوا قريباً، وإن كانوا أقوياء وقعوا في الذبول وظهرت عليهم علامات الذبول من استدقاق الأنف، وغور العين، ولطوء الصدع، وربما غشي عليهم قبل ذلك لما ينصب إلى معدهم من المرار اللاذع.
ومن الناس من هو موفور اللحم لكنه إذا انقطع عنه الغذاء ضعف وهزل، فلا يحتمل منع الغذاء، وكل من حرارته الغريزية قوية جداً كثيرة، أو حرارته الغريزية ضعيفة جداً قليلة، فلا يصبر على ترك الغذاء.
ومنهم من يصيبه وجع وألم في معدته، وصداع بالمشاركة وهؤلاء من هنا القبيل، وهؤلاء ربما اقتنعوا بماء الشعير، وربما احتاجوا أن يخلطوا به عصارة الرمان ونحو ذلك ليقوي فم المعدة، وربما احتجت أن تقيئه بالرفق قبل الطعام، وكثير من هؤلاء إذا ضعفوا وكاد يغشى عليهم، فالسبب ليس شدة الضعف بل انصباب المرار إلى فم المعدة.
فإذا سقوا سكنجبيناً ممزوجاً بماء حار كثيراً، وشراباً ممزوجاً بماء كثير قذف في القذف أخلاطاَ صفراوية، واستوت قوته فإذا تطعم شيئاً من الربوب القوابض سكن، والمشايخ والضعفاء، والصبيان من قبيل من لا يصبر على الجوع.
وأما الكهول فهم شديدو الصبر، ويليهم الشبان وخصوصاً المتلززو الأعضاء الواسعو